هل تستمر أسعار الإثيلين في الانخفاض ؟

هل تستمر أسعار الإثيلين في الانخفاض ؟

لا شك أن الصناعات البتروكيماوية تمر بما يسمى الدورات المرحلية وتختبر الأسواق والصناعة بشكل عام أوقات رخاء, حيث يكون الطلب عاليا ومن ثم الأسعار مرتفعة وأيضا تمر أوقات صعبة حيث الأسواق متشبعة والطلبات محدودة وبالتالي الأسعار منخفضة. ومثال على ذلك شهدت صناعة البتروكيماويات هبوطاً في عامي 2001-2002م حيث تباطأ النمو العالمي, الأمر الذي أدى إلى عدم التأكد من زيادة الطلب السنوية على المواد البتروكيماوية ورافق تلك الفترة أيضا صعود أسعار النفط, مما أدى إلى تدنى الطلب على البتروكيماويات وبالتالي إلى انخفاض الأسعار ولكن بعد ذلك بدأ الاقتصاد العالمي بالنمو مدفوعا بنمو الصين الكبير مما أخرج البتروكيماويات من الدورة الهبوطية إلى الصعود والانتعاش (انظر الشكل والمقتبس من موقع أرقام). وقد تستغرق كل دورة من 6 إلى 9 سنوات. طبعاً هذه الدورات تنشأ نتيجة طبيعية لعدة عوامل من أهمها:
1 - تغيرات أسعار النفط والغاز العالمية حيث إنه من المعلوم أن أرباح المواد البتروكيماوية تزداد كلما انخفضت أسعار النفط والغاز.
2 - تذبذب النمو في الاقتصاد العالمي (مما يؤثر في الطلب على البتروكيماويات بشكل عام).
3 - الاستقرار الأمني والسياسي المحلي والإقليمي (الأمر الذي يؤثر في إمدادات القيم والطاقة).
المتتبع للأسواق البتروكيماوية يستطيع أن يرى أن أسعار الإثيلين في نزول منذ ما يقارب العام, ومما سوف يزيد الطين بلة على المنتج الآسيوي والغربي أن هنالك كميات هائلة من الإثيلين سوف تنتج ما بين عامي 2010 و2012م وغالبية هذه الكميات سوف تأتي من دول الخليج العربي وإيران والصين. الحقيقة أن هذا الوضع غير سار للشركات الأجنبية مثل "بأسف" و"داوكيميكل" و"إكسون موبيل". إذ إن استمرارية نزول أسعار الإثيلين سوف يهدد صناعة الإثيلين لديهم حيث إن تكلفة الطن عندهم أكثر بكثير من تكلفة الطن في دول الخليج. الغريب في الأمر أن انخفاض أسعار الإثيلين يتزامن مع ارتفاع أو تماسك أسعار النفط, وكما هو معلوم أن معظم الإثيلين المنتج في أوروبا وآسيا يصنع من النافثا التي ترتبط أسعارها مباشرة بأسعار النفط العالمية. إذاً ما نراه الآن هو انخفاض سعر المنتج وهو الإثيلين رغم ارتفاع أسعار اللقيم وهو النافثا الذي يشكل نسبة مهمة من مصادر إنتاج الإثيلين.
طبعاً تكنولوجيا إنتاج الإثيلين موجودة ومعروفة عند كثير من الشركات وبالتالي فإن الحصول على هذه التقنية ليس بالأمر الصعب وعليه يمكننا أن نتخيل صعوبة مواقف الشركات الغربية التي تعتمد على إنتاج الإثيلين في عملها, حيث إنه كلما نزل سعر الإثيلين ومن ثم البولي إيثيلين ازداد مواقف هذه الشركات صعوبةً وتعقيداً لأنها تعتمد على لقيم غال كالنافثا أو LPG في إنتاجها الإيثلين.
يبدو أن مستقبل إنتاج الإثيلين يتجه بقوة لمنطقة الخليج العربي حيث من الصعوبة للشركات الغربية المنافسة ومن هنا يبدو واضحاً فهم سياسات هذه الشركات المستقبلية فمثلاً تراوح الإنتاج الأمريكي للإيثلين في نهاية 2006م حول 28.5 مليون طن بينما يراوح إنتاج العالم حول 121 مليون طن (مجلة النفط والغاز 2006). ولكن من المتوقع أن ينخفض إنتاج أمريكا من الإثيلين نهاية عام 2010م إلى 28.3 مليون طن بينما سيقفز الإنتاج العالمي للإيثلين إلى 156 مليون طن.
معظم هذه الزيادات من الإثيلين ستأتي من منطقة الخليج العربي وآسيا. ومن المتوقع أن تصل كمية الإثيلين المنتج في منطقة الشرق الأوسط في عام 2010م لتساوي كميات الإثيلين المنتجة في الولايات المتحدة. وهذا يدل على تبادل الأدوار في إنتاج الإثيلين ما بين الولايات المتحدة وأوربا الغربية ومنطقة الخليج العربي وإيران حيث اللقيم متوافر وبأسعار ممتازة, إضافة إلى وجود الأيدي العاملة بأسعار معقولة.
وعليه فإن لدى هذه الشركات ومن أجل البقاء في عالم البتروكيماويات القليل من الخيارات ومنها التالي:
1 - عمل شراكات تجارية مع الشركات الخليجية للحصول على مميزات اللقيم الرخيص.
2 - الكثير من البحث والتطوير وذلك من أجل الحصول على منتجات أخرى أكثر تعقيداً.
3 - التحول من إنتاج الإثيلين والبولي إيثيلين إلى منتجات شديدة التخصص وعالية السعر بحيث يباع الكيلو جرام منها بآلاف الدولارات وبالتالي يكون الأمر الفاصل هو امتلاك التقنية وليس امتلاك اللقيم الرخيص حيث إن المواد الكيماوية المتخصصة لا تنتج بكميات كبيرة وإنما بكميات قليلة جداً لكن بعناية فائقة.
4 - الذهاب إلى آسيا حيث القرب من الأسواق الملتهبة, وعليه فإن لكل من شركة BP و"بأسف" الألمانية مصانع في الصين و"إكسون موبايل" تمضي قدماً لإنشاء مصنع لإنتاج الإثيلين في سنغافورة, ولا ننسى الشراكة بين كل من "إكسون موبيل" و"أرامكو السعودية" و"سينوبك" الصينية لإنشاء مجمع بتروكيماوي في منطقة فوجيان الصينية, وهذا المجمع من المفترض أن ينتج 800 ألف طن سنوياً من الإثيلين, وأيضا التعاون المرتقب بين "سينوبك" و"سابك".
5 - إعادة الهيكلة وترتيب الأوضاع في مواجهة الكثير من التحديات, فإن كثيرا من الشركات البتروكيماوية الأوروبية في دراسة مستمرة لأوضاعها, ومن الأمثلة على ذلك:
1 - إنشاء شركة أركيما لتعنى بالقسم الكيماوي لشركة توتال.
2 - بيع شركة BP للبتروكيماويات إلى شركة إينوس.
3 - التخلص من شركة باسل التي أنشئت من تحالف بين شركتي بأسف وشل وذلك ببيعها .
وتستمر موجة تصحيح أوضاع الشركات هذه في محاولة لمواجهة واقعها الصعب بالمقارنة بشركات الخليج العربي وآسيا الباسيفيكية.
وأحد أهم التحديات التي تواجه صناعة الإثيلين في القريب هي صعود أسعار النفط بشكل لافت للنظر, الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار النافثا التي تعد مصدر إنتاج الإثيلين في العديد من الدول الغربية إلى مستويات عالية، وعلى سبيل المثال فإن أسعار النافثا وصلت إلى مستويات قياسية في أيار (مايو) 2007م. جدول (1) يعرض مقارنة لمصادر الإثيلين في العالم وفي الولايات المتحدة حيث تشكل النافثا مصدر ما نسبته 23 في المائة من الإثيلين المنتج في الولايات المتحدة و54 في المائة في العالم. وهذا يدل على أن أكثر من ثلث الإثيلين في أمريكا يأتي من النافثا بينما أكثر من نصف الإثيلين العالمي مصدره النافثا. كما أن صعود أسعار الفولاذ كان قد رفع سعر تكلفة إنشاء مصانع إنتاج الإثيلين بـ 60 في المائة ما بين 2003م و2007, الأمر الذي قد يؤدي إلى تأخير تسليم المصانع المزمع إنشاؤها لإنتاج الإثيلين. لكن المتتبع لمشكلة ارتفاع أسعار الفولاذ يستطيع أن يستنتج أنها مشكلة ذات وجهين, فما ناحية مباشرة قد تساهم في ارتفاع أسعار الإثيلين في المنظور القريب حيث إنها ستسهم في تأخير إنشاء أو الإلغاء النهائي لبعض المصانع أو التوسعات للإيثلين مما ينتج عنه تأخير عرض الكميات المراد تصنيعها، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الطلب ومن ثم رفع الأسعار. لكن على المنظور البعيد، إذا استمرت أسعار الفولاذ وأسعار النفط ومشتقاته في الارتفاع, فمن الممكن جداً أن تنحصر صناعة الإثيلين في الشرق الأوسط وآسيا وقد لا تجد الدول الغربية مكانا لها أو فرصة للتنافس مع هذه الدول حيث أسعار اللقيم والأيدي العاملة جداً تنافسية إضافة إلى ميزة القرب من الأسواق العالمية.

الأكثر قراءة