رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إدارة عموم الزير...!

[email protected]

تعجب لحال كثير من الإدارات الحكومية وقد تطاول عليها الزمن فأنساها أن مهمتها الرئيسة هي خدمة العموم والسعي لإرضائهم. فراحت تستغرقها الإجراءات الروتينية وتستهويها العمليات الإدارية دون ربطها بالأهداف الرئيسة للجهاز الحكومي. إنها معضلة حقيقية وتوقف إن لم يكن تراجعا عن تحقيق الأهداف وإنجاز المهام الموكلة وإضاعة للجهد والمال والوقت. لقد بلغ الاهتمام بالإجراءات الروتينية أن تشربها الموظفون في الجهاز الحكومي حتى أصبحت جزءا من نظامهم القيمي وجزءا لا يتجزأ من ذواتهم فيتقوقعون داخلها لتحجب عنهم رؤية حقيقة الأمر وليغيب عنهم الهدف ويسيئوا فهم مقصودها. لقد تحولت بعض الإدارات الحكومية إلى خلية ولكن من الدبابير تعمل دون أن تخرج عسلا مصفى ولربما لسعت المراجعين بطول الانتظار وتأخير معاملاتهم. لقد أصبح جزءا من ثقافتنا الإدارية أن نعمل الأشياء ولكن ليس بالضرورة بفاعلية ووعي وإدراك للمصالح العليا للوطن والأهداف الاستراتيجية (إن كان هناك أهداف استراتيجية في المقام الأول). لا أحد يسال إلى أي مدى تم تحقيق الهدف وهل الهدف في الأساس مطلوب اجتماعيا ويلبي احتياجات المواطنين الحقيقية ويسهم في التنمية الوطنية. لقد غابت الأهداف التي وضع الجهاز الإداري من أجلها وانشغل الجميع بأمور هامشية وأنشطة وممارسات لا تمت بصلة للأهداف، حتى لم يعد يعلم الموظف لماذا يؤدي ما يؤديه من أعمال لأنه داخل معمعة الروتين يدور في المكان نفسه معطل التفكير مشلول الإبداع يعمل أقل القليل ويسعى للحد الأدنى من المطلوب. ولا غرابة أن يتحول الجميع إلى العمل المكتبي الإداري ليختبئوا بين كومة المعاملات التي تدور في دائرة مفرغة تذيل بعبارات تصف حال الوضع الإداري منزوع المعاني والمقاصد على شاكلة لـ "عمل اللازم"! حتى لا يعلم من يعمل ومن لا يعمل في ظل نظام لا يفرق بين الغث والسمين كيف ذاك وتقييم الأداء تحصيل حاصل وعمل روتيني بحت وقبل ذلك غياب للوصف الوظيفي أو تطبيقه.
هناك الكثير من المظاهر التي يغص بها المشهد الإداري في القطاع العام التي تنبئ عن حالة مستعصية ومشكلة إدارية يجب العمل على معالجتها إذا ما أردنا أن نرتقي درجات التنمية الاجتماعية والاقتصادية ونحقق مرتبة تنافسية أعلى في الاقتصاد العالمي. فالأجهزة الإدارية الأساس التي تنطلق منه التنمية، ففيها تصنع القرارات الاستراتيجية والتوجهات العامة وتحدد الأهداف المصيرية وكيف سنكون كمجتمع في المستقبل. قد لا يرى البعض هذه الأهمية (على الأقل من ناحية المصلحة العامة) لأن القرارات في غالبها جهود مشتتة لا تأتي ضمن استراتيجية وطنية موحدة. هذه القرارات المتفرقة للأجهزة الحكومية تشكل في نهاية المطاف الوضع الذي نعيشه في الحاضر وما سنكون عليه في المستقبل. إن هذه الأجهزة الحكومية تتداخل في حياتنا اليومية ولها تأثير كبير في طريقة تفكيرنا وسلوكنا وتعاملاتنا وتشكل حالة ثقافية نسميها الخصوصية وكأنها شيء محمود! إن القرار الإداري - أي قرار إداري - هو في حقيقته عملية اختيار بين البدائل وإذا كان الاختيار غير مرتبط بأهداف استراتيجية يتحول إلى نوع من العبث والعشوائية، الذي لا يقود إلى شيء! كثيرة هي المشاريع العامة التي يصرف عليها الملايين ولكن تأتي دون المستوى كما ونوعا. فنظرة فاحصة إلى بعض المشاريع العامة نجد أنها تهتم بإنهائها على أية حال ليفاجأ الجميع أن المشروع ذاته يحتاج إلى مشروع للصيانة قبل أن يستخدم! وما عليك إلا أن تقود سيارتك على أحد الطرق السريعة لترى بأم عينك أن الطريق يتأرجح بسيارتك وكأنك على بساط الريح! وأكثر إيلاما أن تكون في طريق سريع يربط بين مدن صناعية وطرق دولية تكون فيه التحويلات أكثر من الطريق السوية مثل طريق الدمام - الخفجي الذي طال أمد العمل به ليصل إلى أكثر من عقد من الزمان! الطريق حصد أرواح الكثيرين لأنه يخدم مدنا بترولية وصناعية ويستخدمه الكثير من العاملين. وإذا أردت أن ترى مثالا كلاسيكيا في إنجاز العمل دون السؤال عن الجودة فما عليك إلا زيارة إحدى المدارس المستأجرة التي تصلح لأي شيء ما عدا أن تكون مدرسة، هذا بالطبع غير المناهج المتخمة بالمعلومات وطرق التدريس التلقيني ومستوى أداء المدرسين وسوء الإدارة في بعضها. أما الجامعات فقد أصبح طلابها في ذيل القائمة فمواقفهم في العراء بعيدة عن القاعات وكأنهم في ذيل أولويات الجامعة (وهم كذلك). أما أعضاء هيئة التدريس فقد حشروا في مكاتب صغيرة وأثاث متواضع بينما ينعم الإداريون حتى صغار الرتب منهم بمكاتب فاخرة وهذا بلا شك يعكس الذهنية الإدارية التي تقدر الإجراءات وتهمش الأهداف التعليمية وعنصريها الطالب وعضو هيئة التدريس. الخدمات الصحية هي الأخرى تعاني تدني الجودة وكأن لسان الحال " ليس بالإمكان أحسن مما كان".
هذه بعض الخدمات العامة ولا يتسع المجال لتناول خدمات أخرى فالإشكالية تطول معظم القطاعات الحكومية. هناك بلا شك أمثلة جيدة لإدارات سعت إلى تطوير خدماتها وأصبحت أفضل بكثير عما كانت في السابق وهو جهد جيد ومقدر مثل إدارات الجوازات والمرور والبلديات ولكن هذا التطوير يبدو واضحا لأنها كانت في الأصل تعاني تردي الخدمة ومن ثم وصلت إلى مستويات تكاد تكون معقولة. إلا أن ما يهم في الأمر ويجدر ملاحظته هو محاولة الارتقاء بخدمة المواطن وجعلها أولوية ومن ثم السعي إلى تحقيق ذلك. التطلعات بطبيعة الحال أن تكون عملية التطوير مستمرة ولا تقف عند حد معين ولا نكتفي بما تم تحقيقه، إذ إن المشكلة الإدارية لا تعني فقط التعامل مع الأزمات ولكن الفرق بين الوضع الراهن والوضع المرغوب أو الذي نتطلع إلى تحقيقه. إنها المبادرة نحو البحث عن أوضاع أفضل دائما وبشكل مستمر. هناك بطبيعة الحال قصور في الاستفادة من تقنية المعلومات والاتصال وتطبيق ما يسمى بالحكومة الإلكترونية، بل أقل من هذا بكثير على سبيل المثال إلى الآن لا يستطيع المراجع تسديد الرسوم إلكترونيا في بعض الأجهزة الحكومية مع أن المتاجر الصغيرة أصبحت تقتني آلات الدفع الآلي. إن التفكير الدائم في الأهداف التي وضع من أجلها الجهاز والمبادرة في تطوير الخدمة وتحقيق رضا المواطنين هي المؤشر الصحيح للاتجاه الصحيح. لقد دفعني للكتابة عن هواة الروتين وتقديم العربة على الحصان والتمادي في الإجراءات على حساب الغرض الذي أنشئت من أجله المؤسسة، قصة كنت قرأتها عند صدورها في عام 1975م للمؤرخ المصري حسين مؤنس بعنوان " إدارة عموم الزير"، التي تتحدث بأسلوب قصصي ساخر وشائق عن التضخم البيروقراطي وكيف أن القطاع العام بطبيعته يتوسع مع مرور الزمن لأنه ليس مرتبطا بالسوق ويصعب قياس إنتاجيته، كما أن رغبة البيروقراطيين في تحقيق مكانة وسلطة أكبر فيجنحون نحو تكبير إداراتهم وتضخيم الميزانيات من دون ربطها بالأداء الحقيقي للجهاز. تتلخص القصة في أن أحد حكام المدن طلب من السلطان الموافقة على تأمين زير ماء على طريق القوافل ليخفف عن الناس مشقة جلب الماء فوافق السلطان وبعد مدة عاد ليخبر السلطان أن الإقبال على الزير كبير وأن هناك تزاحما شديدا فطلب أن يزاد عدد الأزيار وأن يعين حارس ينظم الناس ووافق السلطان، وهكذا تتوالى طلباته فمرة لزيادة الحراس وأخرى تعيين سقايين وثالثة لبناء مخزن للأزيار ومن ثم مدير ينظم العملية ومعاونين للمدير حتى أنشئت إدارة لعموم الزير تضم إدارات وأقساما للمالية والموظفين والمستودعات والمشتريات. وفي يوم قرر السلطان الاطلاع بنفسه على هذا المشروع الضخم الذي كلف الكثير ليفاجأ بمبنى كبير يضم مكاتب تعج بالموظفين ولكن الأزيار مكسورة محطمة يملؤها التراب! هكذا تنتهي قصة التضخم البيروقراطي، روتين يلتف ليغلف المنظمات الحكومية كالشرنقة يوما بعد يوم حتى تغلق منافذ النور والهواء ولا تستطيع الاستجابة للمتغيرات ومطالب الناس. الآن علينا البحث عن الأزيار المحطمة والاهتمام بإصلاحها لتعود الخدمة للناس.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي