رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


دروس من الأزمات المالية

[email protected]

المضاربة أساس الداء، وكل شيء يخرج عن المألوف لا بد أن يرجع لأصله. هذا هو أبسط وأسرع تفسير للهزة المالية التي انطلقت أخيرا من سوق الإسكان الأمريكي وامتدت لبقية الأسواق العالمية. إنها انحراف النشاط الاقتصادي عن العمل الحقيقي المنتج، نحو تدوير المنتجات عدة مرات بغرض المضاربة لرفعها أسعارها لأكثر من قيمتها الحقيقية، وليس بغرض الاقتناء. المبالغة في المضاربة لا بد أن تهوي بالأسعار عاجلا أم آجلا، ولا بد للسوق أن يصحح نفسه. وهو وضع يشبه من حيث النتيجة ما جرى في أسهم شركات الإنترنت، والذي عرف فيما بعد بفقاعة "الدوت كوم" التي انفجرت في الجميع في عام 2000م. وكذلك ما جرى عندنا في سوق الأسهم الذي انفجر في شباط (فبراير) عام 2006م.
جاءت الأزمة بعد سنوات من ارتفاع أسعار المنازل في سوق الإسكان الأمريكي ارتفاعا غير مألوف نتيجة مضاربات من قبل مشترين ينوون إعادة البيع سريعا بعد ارتفاع الأسعار، شجعهم على ذلك انخفاض تكلفة تمويل هذه العقارات. وأثناء حمى الشراء وبتشجيع من بعض الوسطاء والبنوك، تورط كثير من المشترين في قروض رهن عقاري وديون أخرى عالية المخاطرة. ويبدو أنهم لم يحسنوا تقدير درجة خطورة هذه المعاملات، لذلك عندما بدأ سوق الإسكان تصحيح وضعه، وأخذت أسعار المنازل في الانخفاض وأسعار الفائدة في الارتفاع، زادت مخاوف المراقبين من مخاطر عدم قدرة المقترضين على الالتزام بتسديد أقساطهم. وترتب على هذه المخاطر أن لجأت البنوك إلى الاحتفاظ بالسيولة خشية من احتمال تعرضها لديون معدومة، فأدى شح السيولة لارتفاع الفائدة. وهكذا أصبح الوضع العام غير مطمئن، وليس هناك ما هو أخطر على الأسواق المالية من ارتفاع مستوى عدم اليقين فيها. إذ إن نقص السيولة لدى البنوك سيؤثر فيما بعد في قدرة الشركات على الحصول على المال اللازم لتمويل أنشطتها، ثم تمتد هذه الصعوبة إلى المستهلكين الذين يقل إنفاقهم، الأمر الذي يؤول في النهاية لتباطؤ نمو الاقتصاد. ولذلك تدخلت البنوك المركزية لتوفير مزيد من السيولة للبنوك التجارية. لكن بعض المراقبين، مثل "فيليب واشتر" المحلل المالي لدى مجموعة ناتكسيز الفرنسية لإدارة الأصول Natexis Asset Management ، يخشون أن الأزمة المالية في سوق الإسكان مرشحة للاستمرار، وهذا من شأنه أن يصيب السوق بمزيد من الاضطرابات المتطايرة، إذ لا أحد يعرف حتى الآن يقينا إن كان الوضع الراهن قد بلغ أدنى مستوياته أم لا.
والواقع أن مثل هذه الاضطرابات التي تسود أسواق المال العالمية بين حين وآخر وتؤدي لارتفاع مخاطر التمويل، ينبهنا إلي مشكلة متجذرة ومتكررة في النظام المصرفي والمالي التقليدي. وهي مشكلة تطفو على السطح كل فترة بسبب المبالغة في المضاربات واختلاف أسعار الفائدة بين فترة وأخرى.
وفي أحيان أخرى يتم شراء العقارات – ليس من أجل إعادة بيعها سريعا - وإنما من أجل تأجيرها، خاصة في فترة انخفاض تكلفة التمويل. ومع أن أسعار العقار قد تضاعفت في السنوات العشر الأخيرة، وحققت مكاسب لبعض المستثمرين بفضل عوامل مساعدة أهمها التوقيت وانخفاض تكاليف الفوائد، إلا أن هذا النوع من الاستثمار بات مقلقا في بعض الأسواق خاصة في الولايات المتحدة وإلى حد ما في أوروبا. لكن تغير ظروف الأسواق في الأشهر الأخيرة دل أن هذا النوع من الاستثمار يعاني صعوبات هيكلية من شأنها أن تجعل العملية خاسرة. وقد بدأت بالفعل مؤشرات زيادة طرح عقارات للبيع في الأسواق فور انتهاء تعاقدات الإيجار فيها. ففي بريطانيا، على سبيل المثال، لوحظ أن واحدا من كل ثلاثة عقارات معروضة للبيع الآن كانت مؤجرة. ولو كانت فكرة الاقتراض لشراء العقار بغرض تأجيره تحقق هوامش الأرباح التي تدعيها بعض شركات التسويق والإقراض، لما اضطر أصحابها إلى طرحها لبيعها.
ويبدو أن الخطأ الذي وقع فيه البعض هو أنهم نظروا إلى متوسط العائد من هذه العملية وتوهموا أنه أكبر مما يمكن لهم أن يحصلوا عليه من البدائل الأخرى. لكن اتضح أن تكلفة تمويل العقارات التي تحقق لهم هذه النسبة قد تفوق ما يحصلون عليه من إيجار، فيفشلون في تسديد أقساط القروض. ويعود ذلك لتراجع مبلغ الإيجارات كنسبة من قيمة العقار بسبب ارتفاع قيمة العقارات من ناحية، وبدء ارتفاع أسعار الفائدة من ناحية أخرى. ولأن الفائدة هي في الواقع ثمن الاقتراض، فإن أكبر المتأثرين من ارتفاعها هم المقترضون العقاريون الذين يعتمدون على نسبة عالية من الاقتراض لتمويل عقاراتهم. ويبدد هذا الارتفاع أية أرباح متوقعة من الإيجارات. إذ حتى يغطي المقترض تكاليف قرضه العقاري لا بد أن يكون فارق النسبة المئوية بين نسبة الإيجار من ثمن الشراء ونسبة سعر الفائدة 2 في المائة على الأقل. ولكن اتضح أن العملية غير مجدية، خصوصا أن بدائل الاستثمار في الأوراق المالية وصناديق الاستثمار يمكن أن توفر الآن معدلات لا تقل عن 7 في المائة سنويا. في حين تدر السندات نحو 6 في المائة. وهذه النسب لا يحققها العقار حاليا في تلك الأسواق.
دفعت هذه الأزمة عددا من المصارف المركزية حول العالم للقيام بخطوات لدعم سيولة المصارف بكميات غير مسبوقة خوفاً من حدوث عجز يؤدي لانهيار الأسواق المالية، ثم ينتشر أثره لبقية الاقتصاد. لكن عدم الاستقرار الكامن في النظام المصرفي والمالي العالمي يثير في الواقع كثيرا من الشكوك حول قدرة مثل هذه السياسات الترقيعية على تحقيق الاستقرار الاقتصادي. أذكر أنني تحاورت مع الأستاذ موريس آليه، أستاذ الاقتصاد في الجامعات الفرنسية، بعد محاضرة له كان قد ألقاها هنا في جدة، وجاءت تحت عنوان "الشروط النقدية لاقتصاد السوق" واتفق معي على أن النظام المصرفي العالمي التقليدي يحمل في طياته عوامل تقلباته. الوظيفة الأساسية للنقود هي تسهيل تبادل الإنتاج، لكن للأسف يبدو أن نسبة كبيرة من السيولة العالمية تستخدم لتسهيل تبادل صفقات وهمية وليس على سلع وخدمات حقيقية. الاقتصاد الدولي في حاجة لنظام مصرفي ومالي أفضل يقوم على ربط المال بالإنتاج وعلى تسخيره لخدمة الأنشطة الاقتصادية المنتجة بعيدا عن المضاربات المجهدة التي تؤول غالبا إلى تقلب الأسواق تقلبا شديدا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي