تقارير "الرقابة" بين رصد المخالفات والتعامل الإيجابي مع السلبيات
د. فهد أحمد عرب
عندما أسست هيئة الرقابة والتحقيق بموجب المرسوم الملكي رقم م7 وتاريخ 1/2/1391هـ كانت ومازالت مكلفة برفع تقارير متضمنة الملاحظات على أداء الجهات الحكومية إداريا وماليا، ومواطن القصور في الخدمات المقدمة من قبل القطاعات الحكومية المختلفة. بالطبع الغرض من هذه التقارير الوقوف على السلبيات ومحاولة تلافيها, ولكن هل من مهامها إجراء الدراسات لتحسين جودة الأداء والوصول للتكامل بين الجهات المختلفة لتقديم أفضل الخدمات؟. إذا كان ذلك يتم جزئيا مع تطور مفهوم العمل منذ ذلك الوقت, فهل من موظفيها الأطباء والمهندسين بكافة التخصصات والفنيين... إلخ, حتى يتمكنوا من اكتشاف الخلل وتحديد أنه "خلل" من وجهة نظر تخصصية؟. من ناحية أخرى مع بداية ازدياد عدد الموظفات في مختلف الإدارات والأقسام وبعد تخصيص أقسام نسائية لهن لممارسة مهامهن, ولئلا يتم ظلم حواء بمخالفة أو ملاحظة في الأداء فتنشأ مشكلة تزيد من تعقيد الوضع, فهل تم توظيف أو الاستعانة بالطبيبة والفنية والمهندسة والممرضة والإدارية ... إلخ؟.
لقد سجلت هيئة الرقابة والتحقيق خلال جولاتها عبر السنين الماضية العديد من المخالفات الإدارية والمالية، التي تقع في الجهات الحكومية، وقد تم التنسيق مع وزارة الخدمة المدنية في الكشف عنها, كما رصدت حالات تسيب وظيفي وغياب لبعض المكلفين بالعمل في تلك الإدارات، ورفعت تقارير سرية إلى إداراتهم لإصدار عقوبات بحقهم, ونشر أخبار عن ذلك على صفحات الجرائد, إضافة إلى القيام بالتحقيق بشقيه الإداري والجنائي، وممارسة الادعاء أمام ديوان المظالم, وقام معهد الإدارة بعمل الكثير من الدراسات الموجودة على الأرفف, ولكن ماذا بعد؟. إن استمرار غياب الموظفين وبأعداد كبيرة في قطاعات عدة يتطلب دراسة ميدانية تطويرية تقيم المشكلة وتحدد وسائل العلاج وآلية تنفيذها؟. ثم أن مسألة تأهيل فريق من أي جهة ذات علاقة أو بكل جهة يعمل على التصدي لهذه الظاهرة بتفعيل توصيات الدراسات الحديثة من شأنه أن يقلص حجم المشكلة لا زيادتها. فقد يكون من الضروري إلزام جميع المؤسسات المدنية بإقامة ندوات وحضور محاضرات تثقيفية عن حقوق العاملين والعاملات وماهية المخالفات وأشكالها, من شأنه رفع مستوى الوعي لديهم - على العموم - فيما يخص المخالفات القانونية وسبل الوقاية منها. كما قد يكون من الضروري أيضا تواصل القطاعات مع إحدى الجامعات أو مراكز الأبحاث لتطوير تناول مثل هذه المواضيع حتى إذا ما شملت الحالات وشرحت كيفية القياس وآلية العمل فسيكون إيقاع العقاب في الجهات من جنس العمل لا اجتهادا فرديا, وسيكون على الموظف تحري تجنب الوقوع في المخالفات والاطلاع على اللوائح والأنظمة المنشورة على مواقع الجهات الإلكترونية, مع الالتزام بالواجبات والترفع عن كل ما يخل بشرف الوظيفة العامة.
في الواقع نريد التركيز على بناء مؤسسات تحتضن قوى عاملة متخصصة ومؤهلة للقيام بدورها المطلوب منها وفي إطار الضوابط والالتزامات التي حددها الجهاز التشريعي لحماية العمل والعاملين والمال العام, لا أن تعمل بشرط الحصول على الانتدابات وحضور الدورات والندوات والمؤتمرات والمعارض الدولية بغرض "التنفيع الاجتماعي أو "تعزيز عملية التنفيذ"، كما أطلق عليها من تسميات أخرى في الآونة الأخيرة. لذلك فإن تعزيز الدور الرقابي مطلوب تكثيفه ولكن بأسلوب متجدد. أعتقد أننا نحتاج في هذه المرحلة إلى رقابة ذات منهج يستطيع التعامل مع كل جديد في العمل الإداري المتجدد دائما, وليس فقط في تطبيق الجزاءات وفرض الغرامات. هذا بالطبع سيبنى مع الوقت موارد بشرية تقدر العمل وحجم الأمانة في أدائه كما ينبغي, فتسعى لتحقيق أهداف المؤسسة وتتحقق بذلك النتائج الايجابية المنتظرة. من ناحية أخرى ستكتمل نجاحات القطاعات أو المؤسسات أو المرافق بإدراك الرؤساء أو المديرين أن التسيب والخلل في الأداء نزعات موجودة في كل مكان ولكن انشغالهم أو ضعف متابعتهم أو إساءة تفويض الصلاحيات من قبلهم تعد من أسباب إطلاقها وفسح المجال لها أينما ظهرت, وبالتالي مسؤوليتهم ستتعدى كونهم أصحاب قرار إلى كونهم مسؤولين عن تبعات كل قرار.
من وجهة نظر شخصية أعتقد أن هناك حاجة إلى تحديث ما يكتب ويرفع عن أداء الجهات الحكومية, وكيفية التفاعل مع التقارير بإيجابية, فالتخصصية أساسية والميكنة مطلوبة والتدريب المستمر ضروري, والتركيز على الفروقات بين الإداري والقيادي والمنفذ وتأثير ذلك في العمل من أهم متطلبات التطوير. ولو أن هيئة الرقابة والتحقيق ووزارة الخدمة المدنية ومعهد الإدارة العامة اشتركت مستعينة ببعض المختصين من الجامعات - كل حسب تخصصه المطلوب - في دراسة ميدانية عامة وشاملة من شأنها تطوير أنظمة الخدمة المدنية ومراقبة تنفيذها ورفع كفاءة المسؤولين والعاملين فيها ووضع القواعد والإجراءات الخاصة بشغل الوظائف وتصنيفها والتعاون مع إدارات شؤون الموظفين في الجهات المختلفة للوصول إلى أفضل الطرق في التوجيه والإرشاد لتنفيذ الأنظمة والقرارات, وبناء العلاقات البينية في الجهة الواحدة أو بين الجهات المختلفة, لأصبح لدينا تفسير لماذا تسيب الموظف؟ ولعالجنا أسباب الإحباط لدى الموظفين, ولغيرنا مفهوم العمل لتهيئة القوى العاملة لحقبة التخصيص المقبلة, ولحركنا بالإفادة من هذه الدراسات عجلة التنمية بكل نجاح بإذن الله.