الناس أحق بالدعم
في بعض الأحيان أشعر بأن التعاطي مع بعض القضايا الاقتصادية لدينا يكون بطريقة الفعل وردة الفعل, على الأقل هذا هو انطباعي الشخصي لما يحدث، والدليل على ذلك أن بعض الجهات تتعامل بانتقائية واضحة فيما يتعلق بالتطورات في هذا المجال مثل قيامها برفع الدعم للذرة الصفراء وبعد ذلك رفع الدعم للشعير وهما سلعتان مخصصتان، الأولى للدجاج اللاحم والأخرى للمواشي، في حين غفلت عن دعم سلع أساسية يستهلكها الناس مثل: السكر, الأرز, الشاي, الزيت, الكهرباء, وغيرها كثير.
أعلم أن الدقيق مدعوم ومحددة أسعاره لكن السكر رفعت نسبة الجمارك عليه بحجة أن لدينا مصنعا للسكر يعاني الإغراق!! وهو مشروع لا يملك من عناصر الإنتاج سوى رأس المال فقط, فالعمالة مستقدمة والمعدات وقصب السكر كذلك، وهو ما رفع أسعاره في الأسواق بنحو 50 في المائة منذ أن اتخذ هذا القرار، ولعلي أتساءل: لماذا تغلب مصلحة المصنع على مصالح المستهلكين؟ فهم من دفع فروقات الأسعار وهم بالتالي من أسهم في وقف الخسائر الفادحة التي تكبدها ذلك المصنع وقلبها إلى أرباح، في حين كان ينبغي دراسة الجدوى الاقتصادية له قبل إقامته أو رفع دعوى قضائية على من قال إنه مشروع ناجح بدل أن يحمل المستهلكون وبالنظام تحقيق أهدافه الربحية، فلا ينبغي أن تنجح جميع المشاريع لدينا (بالعافية) إذا لم تتوافر فيها عوامل النجاح, وهذا حال جميع المشاريع التجارية والصناعية التي تكون معرضة للخسارة والربح.
أما الأرز, السلعة التي لا يستغني عنها أي منزل, فهو لم يدعم في حين دعم منتجو ومربو الدجاج والماشية من رجال الأعمال، رغم أنهم ليسوا في حاجة إلى الدعم بقدر حاجة المستهلك إليه، فأسعار التصدير في أسواق البرازيل متدنية ولا تقارن بأسعار المنتجات الوطنية أما ارتفاع تكلفة المنتج المحلي فهو ناتج, في ظني, عن ضعف في إدارة التكاليف من قبل المنتجين أو عدم قدرتهم على إقناع المستهلكين بمنتجاتهم أو ربما لأنها مشاريع لا تتوافر فيها عوامل النجاح قياسا بالأسعار العالمية.
أعلم أن دعم مربي وتجار المواشي ومنتجي الدجاج اللاحم أمر يراد به تخفيض أسعار اللحوم, وهذا أمر مطلوب, لكن ما الضمانات التي تكفل انعكاس هذا الدعم على الأسعار للمستهلك النهائي؟ فعدم الإجابة عن هذا التساؤل من قبل الجهة الحكومية التي أوصت بتقديم الدعم سينتج عنه تحويله إلى أرباح إضافية للمستثمرين في هذا النشاط بدل كونه أداة لتخفيض الأسعار على المستهلكين, خصوصا أن مبالغ الدعم كبيرة جدا ومكلفة للخزانة العامة، وفي المقابل فإن دعم أسعار المواد الاستهلاكية مثل الأرز والسكر والقهوة والكهرباء سينعكس بشكل مباشر على الأسعار، التي يمكن كذلك مراقبتها ومعاقبة المخالفين في حالة الإخلال بها.
وما ينطبق على السكر والأرز ينطبق على القهوة والزيت والشاي وغيرها من المواد المستهلكة التي تعد أساسية للمستهلك المحلي وطالها ما طالها من الارتفاع في الأسعار لكنها لم تحظ لدى الجهات الحكومية المختصة بالاهتمام الذي يكفل رفع توصية للجهات العليا لدعمها أسوة بالشعير والذرة الصفراء.
في بعض الأحيان أشعر بأن ما يقال وينشر عن معاناة المستهلكين لا تهتم به الجهات المختصة بالشكل المرجو رغم أنها مؤتمنة على توفير حياة كريمة لهم, كل فيما يخصه، فهي لا تبادر إلا بعد أن تصل القلوب الحناجر، في حين أن قيادتنا, حفظها الله, لا تتأخر في الموافقة على أي توصيات تأتيها من تلك الجهات.
هل يأتي قرار بدعم السلع الأساسية للمستهلكين أسوة بما تم للمستثمرين؟ هذا ما أتمنى سماعه قريباً.