حكومة إلكترونية أم بيروقراطية إلكترونية

[email protected]

رائعة هذه الحكومة الإلكترونية، أو المفترض أن تكون كذلك. من بيتك أو من مكتبك تستطيع أن تنجز أعمالك أو الروتيني منها على الأقل، بحيث تستطيع أن تعرف أو تتعرف على كل ما تريد معرفته بمجرد أن تلمس مفاتيح جهاز حاسبك الآلي، فلا داعي أن تهدر وقتك لزيارة الدائرة الحكومية، ولا داعي لطلب النماذج الإدارية، لا داعي للاستفسارات غير الضرورية، دع الجميع يعمل فقط وابق أنت في عملك. هذه هي الحكومة الإلكترونية كما أفهمها، يمكنني إنجاز معاملاتي وتسديد المبالغ المستحقة وتسلم خدماتي دون أن أعرف مقر الوزارة أو الدائرة الحكومية أو في أي شارع كانت، كما تستطيع الأجهزة الحكومية تجنب التعامل المباشر مع المراجعين وتقليص حجم الأعمال الورقية حتى تصل إلى ما يسمى بالأعمال الخالية من الورق Paperless work. لكن يبدو أن للبعض وجهة نظر مختلفة فالحكومة الإلكترونية تعد عملا حكوميا أولا وأخيرا ولذلك تحتاج إلى بيروقراطية كلازم طبيعي لها.
يخبرني صديق عند مراجعته إحدى الدوائر التي طبقت بعض النماذج الإلكترونية أنها أصبحت أكثر تعقيدا، إذا أردت معلومات معينة قالوا قم بزيارة موقعنا الإلكتروني ومن خلاله يمكنك الاستعلام عن معلوماتك، المشكلة أنك تحتاج إلى رقم خاص للتعامل مع معلوماتك وذلك الرقم معقد واستخداماته أكثر تعقيدا، هذا للشخص القادر على التعامل مع الحاسب فكيف والحكومة الإلكترونية يجب أن تصمم ليتعامل معها جميع المراجعين على اختلاف مستوياتهم التعليمية. دائرة أخرى تتحول إلى تسديد مستحقات مراجعيها عن طريق إيداعها في حساباتهم مباشرة، جميل جدا لكن إذا عرفت أن هؤلاء المستحقين هم من العجزة وكبار السن ومعظمهم أميون فكيف يتم التعامل معهم وكيف يتم تسليمهم بطاقات صرف إلكترونية لاستخدامها وحالهم يعلم بها الله؟ سرقوا وسرقت مستحقاتهم بسبب صعوبات التعامل مع ذلك الجهاز المدعو صرافا، ثم كيف يتم حجرهم على بنك واحد والبنك يحجرهم على أجهزته فقط، هل هذه حوكمة إلكترونية أم تعقيد إلكتروني.
دائرة أخرى إذا قمت بزيارتها تطلب منك نفس النماذج التي تطلبها كل مرة وفي ملف علاقي (أخضر) ولكن لتحصل على النماذج يجب عليك زيارة الموقع الإلكتروني والحصول على رقم مستخدم وطبع النماذج ومعرفة المستحقات الواجب عليك دفعها ثم تذهب إلى أقرب صراف لبنك معين (واحد فقط)، وقم بالسداد ثم عد إليهم بكل تلك الأوراق وأكمل الإجراءات، كما كان معمولا بها. رائعة جدا هذه البيروقراطية الإلكترونية. ثم يصبح الأمر أكثر تعقيدا إذا لم يكن لديك حساب في ذلك البنك المخصص، عليك أن تجد وسيلة للتسديد فإذا قمت بمراجعة البنك أجابك الموظف (وبكل لباقة) أنه لا يمكنك السداد إلا عن طريق الصراف، تخبرهم أن لديك حسابا في بنك آخر، الرد بسيط افتح حسابا لدينا، إذا كنت لا ترغب بذلك فهم لا يرغبون بقبول تسديداتك أيضا، إذا, الحل أن تبحث عن صديق أو قريب أو غيرهما (ولغيرهما قصة سأرويها) بشرط أن يكون لديه حساب في البنك المخصص ليسدد نيابة عنك (يقرضك) وتقوم أنت بسداده، بمعنى أبسط فأنت لم تعد تراجع الدائرة الحكومية فقط بل تراجعها وتراجع البنك وتراجع صديقك حتى يسدد نيابة عنك وأين الصديق الذي يسدد نيابة عنا في هذا الزمن.
إذا لم يكن لديك صديقا فإن عليك أن تلجأ "لغيرهم"، وهم مجموعة ممن ينطبق عليهم القول "مصائب قوم عند قوم فوائد" يقفون بجوار البنك المخصص فإذا عرفوا إنك لا تملك حسابا في البنك وتريد التسديد بشكل ضروري فإنهم وبكل شهامة يقومون بالسداد نيابة، ولكن مقابل مبلغ رمزي (يصل إلى 20 في المائة من قيمة المبلغ الواجب سداده)، وذلك مقابل الخدمات التي سيقدمونها لك، فهم سيغامرون بالسداد عنك من حسابهم وعليك أن تدفع لهم نقدا. سوق سوداء نتيجة طبيعية للتعقيد الإلكتروني.
أنا لا أهاجم الحكومة الإلكترونية أبدا بل أنها مطلب ضروري وتطور حضاري، ولكن يجب ألا نأخذ الأمور بالمقلوب إذا لم تكن مؤسساتنا الحكومية جاهزة فعلا ففيم العجلة. إن من أهم فوائد الحكومة الإلكترونية أنها تشجع المواطن والمقيم على أن تكون جميع أموره نظامية، لذا فإن تسهيل الإجراءات مطلب أساسي. وإذا كانت الحكومة تهدف إلى زيادة إيراداتها الناتجة من تسديد المستحقات الحكومية المختلفة فإن عليها التركيز على سلاسة وبساطة إجراءات التسديد حتى لو تمت عن طريق مكاتب البريد التي بدأت تنتشر أو ببطاقات مثل بطاقات الاتصال المدفوع، إن أي تعقيد مهما كان بسيطا سينتج عنه ضعف في التحصيل وانخفاض الإيرادات الحكومية الناتجة من هذا المصدر. إن جميع الحكومات عادة ما تعالج مشكلة انخفاض الإيرادات الناتج من ضعف التحصيل بزيادة قيمة المستحقات، بينما لو تم تشجيع الناس على السداد بتبسيط إجراءاته لحصلنا على فوائض ضخمة يمكن بها تخفيض قيمة المستحقات.
أتذكر في بريطانيا وعندما انتهت تأشيرة الإقامة وكنت أرغب في تجديدها قمت بزيارة المكتب القانوني في الجامعة ومن خلاله تم الاتصال إلكترونيا بوزارة الداخلية Home office وطباعة جميع الأوراق الرسمية ثم إرسالها بالبريد المسجل، هكذا فقط وفي أقل من نصف ساعة. فلم أقف في طوابير ولا أعرف أين هي وزارة الداخلية البريطانية، وبعد أسبوعين تمت جميع الإجراءات وإعادة الجوازات بعد إضافة التأشيرات الجديدة. أتذكر حينها أن شروط الدفع كانت كالآتي: إذا تم إرسال الأوراق بالبريد تدفع 150 جنيها استرلينيا، وإذا أحضرتها بنفسك إلى المكتب تدفع 250 جنيها استرلينيا. أعتقد أن الفرق واضح ولا يحتاج إلى تعليقات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي