الوزير السنغافوري والوزير العربي
تحدثت الأخبار عن قرار حكومي سنغافوري برفع رواتب الوزراء بنسبة 40 في المائة لتصل إلى 1.2 مليون دولار أمريكي في السنة مقارنة براتب الرئيس الأمريكي على سبيل المثال 400 ألف دولار أمريكي في السنة والدكتورة رايس وزيرة الخارجية الأمريكية الذي يبلغ 180 ألف دولار فقط. راتب وزير سنغافوري يعادل راتب كل الوزراء في سورية على سبيل المثال. يبلغ راتب الوزير السعودي 45 ألف ريال في الشهر (144 ألف دولار في السنة) ، وحتى مع المنافع الأخرى لا يتعدى عرفيا ما يعادل 300 ألف دولار سنويا.
جدير بالذكر أن التعديل الأخير في سلم الرواتب لم يشمل الوزراء والمراتب الممتازة أو أعضاء مجلس الشورى. ليست هذه الإحصائيات شاملة، فلكل مجتمع خواصه واستحقاقاته، ولكن ليس للمحلل إلا المقارنة المباشرة التي قد تساعد في البحث عن تحسين وصفاء سلم الأولويات الإدارية العليا بهدف خدمة أهداف التنمية الأسمى.
على أثر زيادة رواتب الوزراء السنغافوريين تم سؤال رئيس الوزراء عن هذه الزيادة الكبيرة خاصة مقارنة بالوزراء في الدول المتقدمة اقتصاديا، فكان رده التالي: "نحن في سنغافورة ندير اقتصاد البلاد كشركة ولذلك نحن في منافسة مع القطاع الخاص في الحصول على أفضل المواهب وليس للفساد والتقصير مكان". النتيجة الحتمية التي يعرفها الجميع هي تحويل جزيرة سنغافورة الموبوءة بالبعوض إلى اقتصاد متقدم ينافس الدول الغربية ويتغلب على الكثير فيها في جميع النواحي الاقتصادية والتنموية.
لأسباب تاريخية وموضوعية تعودنا على النظر إلى الغرب كنبراس للتنمية والتقدم، ولكن الحكمة الصينية والتاريخ الشرقي الثري بدا في إيجاد نماذج تنموية مستقلة متناسبة مع الإرث الثقافي والتاريخي (هضمت هذا الإرث واستخدمته كمرجعية فقط) وأخذت باستحقاقات المستقبل العلمي والفني باستقلال عن الماضي، فهي لم تدخل في "مطب" هذا الخلط لدينا بين الإرث والمخزون الثقافي كمرجعية وما يجب عمله الآن. فالوزير مطلوب منه ألا يمثل أحدا ولا يتمتع بالوظيفة كهدية بل مسؤولية واضحة المعالم لها استحقاقاتها من واجبات وعقاب، مستخدما بوصلة المستقبل لا الماضي، فهو وزير المستقبل، بينما الوزير العربي يريد أن يحدثك في الغالب عن شجون الماضي أو المصلحة الآنية وتراه لا يترك فرصة لذكر مدى استعداده لترك الوظيفة ولكنه يقصد العكس تماما، فهو مناور من الطراز الأول، تنصب مواهبه وقدراته على التكيف والتمركز فهو مسؤول وغير مسؤول، لا نعرف هل لديه قدرة ذاتية أو حتى سلطة على وزارته فهو لم يجرب بتاتا، فهو أكاديمي بسيط لكنه استطاع تلميع نفسه بطريقة أو بأخرى ويبدأ يتقدم بسرعة البرق بحيث لم يستطع أحد تقييم عمله، وإما بيروقراطي عليم يحسب كل حركة وكل نظرة، يعمل بصمت مغرم باللجان حيث الفرصة لتفادي قرار وعمل مسؤول.
لعل مربط الفرس في محاولات ارتقاء سلم التنمية هو مسألة النخب القيادية في الأجهزة البيروقراطية التي أصبحت تحكم وتنظم الحركة الاقتصادية والتعليمية وحتى الثقافية، الجميع منا تصله خيوط هذه الأجهزة، لذلك فالكل له مصلحة في رفع مستوى إدارتها ومساءلة القائمين عليها.
عودة إلى مقارنة سلم الرواتب يبقى السؤال الملح هو: هل هناك علاقة بين رفع الرواتب الحكومية وخاصة الوزراء وكبار المسؤولين وبين الأداء؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمعزل عن أنماط البيئة الإدارية بمجملها ودرجة التوقعات التي يتعامل معها هذا الوزير أو ذاك. كسر هذه الحلقة هو مسؤولية النخب في هذه المجتمعات أخلاقيا ثم نظاميا، فإذا طلب من الوزير عملا ما فيجب علينا مراقبته وربط أدائه مع المكافأة المعنوية وحتى المالية.
حديثا في السعودية هنا توجه إلى تكاثر المؤسسات ذات الطابع الرقابي والتنظيمي وهذه المؤسسات فنية يمكن قياس أدائها ولذلك نحن في الاتجاه الصحيح ولكننا لم نصل بعد إلى رغبة القيادة وطموح الناس ومحاكاة العالم الحديث.
لن تحل مسائل التنمية بزيادة رواتب الوزراء أو تقليص رواتب بعض الموظفين في المؤسسات الجديدة ولكن بربط أوثق بين الأداء والمساءلة. يجب علينا أن نستثمر تجربة بعض أنماط إدارية جديدة وتقييم الأداء باستقلالية، فليس هناك ما يمنع من "تسليط" شركة مستقلة تستطيع في ثلاث أو أربع صفحات إيجاز أداء أي مؤسسة حكومية مقارنة بالأهداف التي كانت متوقعة منها. على سبيل المثال في تقرير عن التعليم ومقاييس القدرات في الرياضيات وعدد المهندسين تبين أن هناك ضعفا وفجوة كبيرة بين التعليم في السعودية وسنغافورة، وفي ذلك معايير واضحة لقياس أداء الوزارات المعنية عن التعليم لدينا.
في أدبيات التجارة في الأسوق يقال: trend is your friend أي أن الاتجاه الصحيح هو الأهم، لذلك فالبناء التدريجي هو الخلاص.