تركيا تجربة خالدة
عنوان هذا المقال هو عبارة عن دعاية تعرض على إحدى الفضائيات العربية بغرض تقديم الوجه السياحي لتركيا, وتتضمن الدعاية فتاة كاشفة الساقين تلبس فستاناً أحمر تحلق في الفضاء لتمر في رأس جبل تحته بحر تهوي فيه, مع وجود خلفية لمناظر أخرى من معالم تركيا, لكن الأكثر بروزاً هو الفتاة المحلقة. تساءلت عندما شاهدت هذه الدعاية خاصة أنها تختم بعبارة تركيا تجربة خالدة, ما الشيء الخالد؟ أي ما هذه التجربة الخالدة؟ وهل تركيا الخالدة أم التجربة وما نوع التجربة التي توصف بالخلود؟ وتداعت في ذهني مجموعة من الأمور في الشأن التركي, حيث تذكرت أول زيارة لتركيا وذلك في عام 1988 عندما ذهبت بصحبة العائلة وكانت محطتنا إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية, وقد بهرتنا بمعالمها ومبانيها ومجالات السياحة فيها من قصور ومكتبات ومساجد من حيث تصاميمها وطرازها, إضافة إلى عادات الناس وتقاليدهم التي تتقاطع مع عادات العرب وتقاليدهم في كثير من الأمور, وتذكرت ساحة مسجد بايزيد حيث السياح والحركة, والباعة, وتذكرت الزيارة لمسجد سليمان باشا حيث الفن المعماري الجميل وتذكرت بالأخص تلك المرأة التي أقدمت, وبصورة عفوية, وحملت أحد الأبناء وكان عمره حينها ثلاث سنوات, وأخذت تقبله, وتدور به, وتضمه إلى صدرها. حين شاهدت الدعاية تساءلت: هل الخلود الذي تقدمه هذه الدعاية هو الخلود الذي مازال حياً منذ مئات السنين, وحتى بعد سقوط الدولة العثمانية, أم أن الخلود المعني في هذه الدعاية خلود من نوع آخر؟ وهل هو بالفعل خلود أم أوهام لا تلبث أن تزول بزوال هذه الدعاية؟ لا أدري كيف يفكر من يخطط للسياحة في تركيا, ومن هم المستهدفون في هذه الدعاية؟ حيث تختزل تركيا ببحر, وجبل, وفتاة تحلق في الفضاء ويعرض هذا على أنه خلود, ولماذا لا تكون الدعاية مجسدة للخلود الحقيقي الذي صنعته تركيا ولقرون طويلة حين كانت رائدة العالم الإسلامي, وامتدت حدود دولتها إلى قلب أوروبا وإلى العالم العربي بأكمله, حتى أن آثار هذا الامتداد لا تزال شاهدة في أماكن كثيرة من أوروبا حيث الحصون والقلاع والمساجد بمآذنها الشاهقة, يرفع على كثير منها نداء الحق. أعتقد أنه غاب عن مخططي السياحة في تركيا هذا الإرث العظيم الذي سيجده السائح سواء كان مسلماً أو غير ذلك, ويجد معه المتعة الحقيقية والفائدة المعرفية والمعنوية. إن عدداً كبيراً من السياح سيجذبه الجانب الثقافي والمعماري أكثر من شيء آخر, فالبحار والجبال والخضرة قد تتوافر في أماكن عدة لكن المساجد, والمباني والقلاع بتصاميمها الفريدة, والخلابة لا تتوافر في كل مكان, فهل تكون الدعاية للسياحة في تركيا منطلقة من هذا الواقع الثري والتاريخ المجيد الذي حققته تركيا إبان حقبتها الزاهرة أيام الخلافة العثمانية؟ وهذا ما يهم كثيرا من السياح الذين كنت أشاهدهم يصورون المساجد والقصور وغيرها من المعالم البارزة.
تداعت إلى الذهن أمور كثيرة ذات علاقة بتركيا بعد مشاهدة هذه الدعاية وأول هذه الأشياء الاندفاع الشديد الذي يبديه الأتراك وهم يسعون للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومنذ عقود, حتى وصل الأمر بهم إلى التنازل عن كثير من الأشياء وتقديم كل ما يرضي الأوروبيين بهدف الانضمام إليهم, وفي كل مرة تتقدم تركيا توضع شروط جديدة وتقدم حجج لم تقدم من قبل, وبهدف منع تركيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أصبحت الدول الأوروبية تتبادل الأدوار في شأن معوقات الانضمام, فمرة تثار قضية حقوق الإنسان, ومرة تثار قضية قبرص, ومرة أخرى الموقف من الأكراد, ومرة رابعة المذابح المزعومة التي حدثت للأرمن على أيدي الأتراك كما يزعم الأرمن ومعهم الأوروبيون, والغريب في الأمر أن الأتراك مصرون على الانضمام رغم أن الجغرافيا التركية ليست أوروبية عدا جزء بسيط, كما أن الثقافة في عمومها ليست أوروبية, إضافة إلى التاريخ والعقيدة والنسب كلها ليست أوروبية.
الغريب في الأمر, الغرب يقبل تركيا عضوا في حلف الناتو لكنه لا يقبل بها عضواً في الاتحاد الأوروبي, رغم انضمام عدد من الدول إلى هذا الاتحاد لاحقاً خاصة بعد تفكك الكتلة الشرقية. ولو أراد الفرد أن يفسر هذا الإصرار على الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لأعياه التفكير, خاصة أن الرفض من قبل الأوروبيين واضح, وصريح, ويصل إلى الوقاحة في بعض الأحيان حين يقول البعض باختلاف الدين أو أنه لا يتصور اتحاداً أوروبياً فيه دولة مسلمة, هل الإخوة الأتراك يتطلعون إلى مكاسب اقتصادية وسياسية بانضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي؟ أم أنهم يتطلعون إلى تغيير هويتهم؟ هذه أسئلة مشروعة وأعتقد أن كلا الأمرين لن يتحقق, فالمكاسب الاقتصادية قد تكون فرصتها أقوى وأكبر مع العالم الإسلامي, كما أن المكاسب السياسية تتحقق بعودة تركيا إلى جذورها الحقيقية التي أوصلتها في يوم من الأيام إلى قلب أوروبا, ولا تزال آثارها شاهدة في البناء وفي البشر, وثقافتهم وممارساتهم الدينية التي لا يزالون يحافظون عليها, ويدافعون عنها في البوسنة, وكوسوفو, وألبانيا وغيرها من المناطق في أوروبا.
تداعت إلى ذهني صورة غريبة لم أكن أتوقعها حين ترشح وزير الخارجية عبد الله جول لرئاسة الجمهورية وحينها تحركت بعض القوى في الشارع السياسي التركي معارضة هذا الترشيح, والسبب في نظر هؤلاء أن زوجة عبد الله جول محجبة, ولا يمكن قبول أن تكون زوجة الرئيس محجبة أو أن يدخل قصر الرئاسة رئيس زوجته محجبة. عجيب أمر هؤلاء هل مجد تركيا الخالد تاريخياً, وفي الكتب, وأذهان الناس وعلى أرض الواقع, كما سبق الإشارة, يتحقق حين تكون زوجة الرئيس غير محجبة؟! وهل مجد تركيا في علمانيتها؟ أم في ثقافتها وهويتها اللتين أوصلتاها إلى المجد والعز والسؤدد؟ لم أكن أتصور أن يصل الأمر إلى هذا الحد الذي يجعل من الحجاب أمراً مزعجاً ومقلقاً للعلمانية وأنصارها, ولم أكن أتصور خوف العلمانيين من الحجاب وضعفهم لهذه الدرجة التي تجعلهم يعارضون ترشيح شخص زوجته محجبة. ألهذه الدرجة يكون الخوف من الحجاب وأهله؟ في بلد إسلامي ومعظم أهله يؤمنون بالإسلام, وثقافته وحضارته قائمتان على الإسلام. كنا نستنكر ولا نزال فصل طالبة في فرنسا أو الدنمارك من المدرسة لأنها محجبة, لكن أن يصطف سياسيون ومفكرون ومثقفون ضد ترشح جول للرئاسة لأن زوجته محجبة فهذا أمر محير, حتى أن الجيش تدخل وأصدر مذكرة بهذا الشأن محذراً من الإصرار على ترشح جول وإلا تدخل وعمل انقلاباً كما عمل كنعان إفرين في الثمانينيات. بقي أن أقول إن ثقة الأمم بثقافتها وهويتها هي الطريق الوحيد للمجد والقوة والتمكن في هذا العالم الذي لا يحترم من يقلد غيره ويتنكر لذاته.