السوق العربية المشتركة.. حلم يقترب من التحقيق
باديء ذي بدء نعترف أن المواطن العربي محبط ولم يعد يثق بأي مشروع عربي سواء أكان هذا المشروع على الصعيد السياسي أو على الصعيد الاقتصادي، والسبب أن فشل المشاريع العربية أصبحت كثيرة وأن احباطات الإنسان العربي تزايدت حتى أنه فقد الثقة بأي مشروع عربي، بل إن البعض يقول بعدم جدوى وجود جامعة الدول العربية.
ولكن الخطوات التي حققها في هدوء مشروع السوق العربية المشتركة ستعالج كل مشكلات الماضي ليس لأن الخطوات التي قطعها المشروع تبعث على التفاؤل، ولكن لأن التحديات المحيطة بالوطن العربي فرضت على الزعامات العربية ضرورة اتخاذ المبادرات الكفيلة بتحقيق المصالح المشتركة وإيقاف الآلة الخارجية التي نجحت في الماضي في عرقلة سلسلة من المشاريع الاقتصادية والسياسية بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية.
والجديد في المشروع الاقتصادي العربي الكبير هو أن أمير الكويت اقترح في القمة العربية التي عقدت في عام 2007 في العاصمة الرياض أن تعقد قمة عربية اقتصادية لمناقشة سلسلة من مشاريع التكامل الاقتصادي العربي.
ولقد وافقت قمة الرياض بإجماع الملوك والرؤساء والأمراء على عقد أول قمة عربية اقتصادية لمناقشة المراحل التي قطعها مشروع السوق العربية المشتركة، والوسائل الكفيلة باستكمال المشروع.
ومنذ القرار الذي اتخذته قمة الرياض بعقد قمة اقتصادية فقد دب في أروقة الجامعة العربية نشاط غير عادي لوضع أجندة القمة الاقتصادية حتى تتخذ القمة مجموعة قرارات تبدأ بمشروع الاتحاد الجمركي بحلول عام 2015 والسوق العربية المشتركة بحلول عام 2020، بمعنى أن القمة العربية الاقتصادية الأولى في تاريخ العمل العربي المشترك هدفها إزالة العقبات من أمام مشاريع الوحدة الاقتصادية ووضع الآليات اللازمة لمباشرة تنفيذ البرامج والمشاريع، ويبدو من خلال مشاريع القرارات إن الإرادة العربية الحالية قادرة على التغلب على العقبات العربية ـ العربية والعربية ـ الخارجية.
ودعونا نقول أن العرب يتجهون إلى تحقيق مشروع السوق العربية المشتركة بنجاح ودون زفة إعلامية حاشدة، واعتقد أن غياب الزفة الإعلامية عن المشروع الاقتصادي العربي الكبير يساعد على الوصول بالمشروع إلى مراحله النهائية بعيداً عن العوائق الخارجية التي دأبت إلى وضع العراقيل أمام أي مشروع عربي هدفه تحقق المصالح العربية الكبرى.
ولعل سبب غياب الإعلام العربي عن مشروع السوق العربية المشتركة يعود إلى أن الإنسان العربي لم يعد يثق بالقرار العربي أو المشاريع العربية التي باتت مجرد قرارات على الورق فارغة من مضامينها أو هي مشاريع كلام وليست مشاريع فعل, حتى أن المواطن العربي بات يقول أن القرار السياسي العربي أصبح ليس من اختصاص الحكومات العربية فقط وإنما هو من اختصاص دول كبرى حشرت نفسها بقوة في تفاصيل القضايا العربية ـ العربية أو القضايا العربية ـ الإسلامية.
إن اندفاع الدول العربية نحو السوق العربية المشتركة يأتي في ظروف اقتصادية عربية جيدة، فقد تحسن أداء الاقتصاد العربي بسبب ارتفاع أسعار النفط والإصلاحات الاقتصادية التي قامت بها معظم الدول العربية حتى تعدى الناتج المحلي الإجمالي العربي لأول مرة قيمة التريليون دولار مقارنة بنحو 600 مليار دولار كمتوسط سنوي، كما زادت التجارة العربية البينية إلى 850 مليار دولار مقارنة بنحو 400 مليار دولار كمتوسط سنوي، وأدى ذلك إلى زيادة الفوائض العربية وزيادة الاستثمار في البنى الأساسية والاعمار والتشييد.
إن أولى مراحل تحقق السوق العربية المشتركة قد بدأت في عام 2005 بإنشاء منطقة التجارة العربية الحـرة بانضمام 17 دولة عربية من 22 دولة عربية، ولقد حققت هذه المنطقة نجاحات ملموسة على الأرض والآن تسعى الدول العربية من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للجامعة العربية والذي يرأسه السعودي الدكتور محمد التويجري الأمين العام المساعد للشؤون الاقتصادية إلى وضع اتفاقية عربية لتحرير تجارة الخدمات والتي تشمل النقل والتأمين والسياحة لتستكمل بها مشروع منطقة التجارة العربية الحرة.
إن الحلم الاقتصادي العربي الذي بـدأ عام 1950 بإصدار اتفاقية الدفاع المشترك والوحدة الاقتصادية, سيتحقق قريباً بعد أن شعر العرب أن الأسواق العالمية التي نشأت بعد السوق العربية المشتركة بعقود طويلة, بدأت تظهر إلى حيز الوجود مثل منظمات آسيان ونافتا ومنظمة التجارة العالمية. وتكاد تخطف هذه الأسواق من السوق العربية المشتركة كل المزايا والمنافع الاقتصادية التي ستعود على الاقتصادات العربية بالخير والفائدة.
ونتصور أنه في أجواء الانتعاش الاقتصادي الذي سيسود الدول العربية، فإن جميع مشاريع التضامن العربي ستكون سالكة وقابلة للتنفيذ مهما اشتدت شراسة العدو الخارجي.
وفي النهاية إذا تحققت السوق العربية المشتركة، فإن هذا يعني أن وحدة كونفدرالية عربية تتحقق بين الدول العربية دون أن يصدر بها قرار ولكن التفاعلات الاقتصادية بين الدول العربية الأعضاء في السوق المشتركة ستجعل العلاقات السياسية بين الدول الأعضاء علاقات ذات مصالح مشتركة ترقى إلى مستوى الكونفدراليات.