(العربة والحصان) .. والوحدة النقدية الخليجية!
برز هذا المثل المعروف إلى ذهني وأنا أقرأ عن قرار دولة الكويت فك ربط عملتها بالدولار وربطها بدلا من ذلك بسلة عملات، بالرغم من اتفاق دول مجلس التعاون على الربط بالدولار تمهيدا للعملة الموحدة عام 2010م، وكذلك إعلان سلطنة عُمان عدم الانضمام وتردد الإمارات لعدم وضوح الصورة.
والمثل يشير إلى أهمية تحديد الأولويات وعدم خلطها فهل تسرعت دول مجلس التعاون في تحديد هذا الموعد قبل اتخاذ الخطوات وتنفيذ المتطلبات التي تسبق الوحدة النقدية التي عملت الدول الأوروبية منذ معاهدة روما عام 1957م على تطبيقها لتتوافق سياساتها المالية والنقدية والضريبية والتنافسية مع بعضها كشرط ضروري قبل التفكير في العملة الموحدة، وهل وضعت دول المجلس الخليجية عربة العملة قبل حصان التكامل المالي والنقدي الذي حددته اتفاقية ماسترخت للدول الأوروبية؟!
لقد حذرت من عواقب التسرع في السعي للعملة الواحدة قبل إتمام هذه الشروط التي ذكرتها بالتفصيل في مقال سابق (اتفاقية ماسترخت خليجية قبل الوحدة النقدية) جريدة ("الاقتصادية" 15/7/2006)، لأن من شأن عدم تنفيذ السوق المشتركة واعتماد المتطلبات الخاصة بالعملة الموحدة المتعلقة بأسعار الصرف ونسبة عجز الميزانية ونسبة التضخم ونسبة الدين العام.. إلخ، من الشروط التي تجعل العملة الموحدة مرغوبة سوف يقوض من الثقة في مسعى دول المجلس نحو التكامل الاقتصادي والمالي والنقدي ويؤخر بدلا من أن يعجل بذلك.
لقد قررت دولة الكويت الأسبوع الماضي فك الارتباط بالدولار والعودة إلى سلة عملات متعددة لتربط الدينار بها، بحيث يكون الدولار 25 في المائة من هذه السلة، على الرغم من اتفاق دول مجلس التعاون على الربط للعملات بالدولار، تمهيدا للعملة الموحدة التي من المقرر أن ترتبط بالدولار عام 2010م، فماذا حدث؟
نتيجة لذلك القرار زادت المضاربات والطلب على الدينار هذا الأسبوع عندما ارتفع أحد مكونات هذه السلة وهو الدولار الأمريكي فجأة وارتفعت أسعار الفائدة على الدينار تبعا لذلك، وارتفع سعر الدينار مما اضطر البنك المركزي الكويتي إلى عدم قبول الودائع بالدينار من البنوك المحلية، مما خلق سيولة كبيرة لدى هذه البنوك ومما يهدد إذا استمر ذلك إلى زيادة التضخم الذي كان الخوف منه هو الهدف من فك الارتباط بالدولار، هذه الإدارة للسيولة أثرت بدورها في أسعار الفائدة حيث انخفضت خلال يوم واحد من 5.25 في المائة إلى 5.18 في المائة، مما زاد من مخاوف التضخم وأوجد سيولة زائدة في السوق، وزادت المخاوف من العودة عن حرية السوق واللجوء إلى إدارة الاقتصاد بدلا من تحرره ومرونته، وبدلا من كون السلة حاميا أصبحت مهددة للاستقرار النقدي، لأنها فتحت شهية المضاربين على العملة، وأرجو أن تكون هذه الخطوة مؤقتة أو العودة إلى الربط بالدولار لأنه حتى الآن لا يوجد بديل أفضل.
أعود إلى موضوع ربط الريال بالدولار والحديث عن التضخم وانخفاض الدولار وهل التضخم مستورد أم محلي؟ وهل هو مؤقت أم دائم؟ وهل رفع قيمة الرياض يكون برفع سعر ربطه بالدولار مع إبقاء الربط، أي رفع التعادل بأن يصبح مثلا ثلاثة ريالات فقط للدولار؟ أم يكون بتغيير عملة الربط بحيث تكون سلة عملات بدلا من الدولار وكلتا الحالتين جربتهما المملكة في السابق ثم عادت 1986م، إلى ربطه بالدولار لعدة أسباب جوهرية، مثل:
أولاً: إن معظم صادرات المملكة تقيم بالدولار (النفط كمثال).
ثانياً: إن مستوردات المملكة أيضاً معظمها بالدولار أو بعملات دول مربوطة بالدولار مثل الصين ومعظم جنوب شرق آسيا.
ثالثاً: إن رفع قيمة الريال سوف يزيد من الاستيراد والاستهلاك ويضعف القدرة التنافسية لصادرات المملكة من السلع غير النفطية، مع دخولها إلى منظمة التجارة الدولية وانفتاحها على العالم وسعيها إلى تنويع اقتصادها.
إضافة إلى أن الدولار كعملة احتياط يوفر ملاذاً كبيراً وآمنا نسبياً للسيولة الكبيرة، ويقوم بدوره كمخزن للقيمة وهي إحدى وظائف النقود المهمة، كما أنه يتمتع بقبول عالمي واسع يغري الكثير بالاحتفاظ به لهذا الغرض بالرغم من تعرضه دورياً للهزات.
إن التخوف لدى دول مجلس الخليج العربية من اعتماد عملة واحدة، كما هو محدد عام 2010م هو خوف مبرر، والدول الأوروبية مرت بهذه المخاوف عند سعيها إلى تحقيق الوحدة المالية والنقدية واعتماد عملة واحدة، ولذلك قامت بدفع أنظمتها المالية والنقدية والضريبية وغيرها إلى التوافق Convergence بالتدريج ثم اعتمدت بعد نقاش طويل اتفاقية ماسترخت، التي حددت شروطا دقيقة قبل اعتماد العملة الموحدة تتعلق بالتضخم والدين العام ونسبة عجز الميزانية ونسبة التذبذب ونسبة الفائدة، إلخ... من الشروط التي ذكرتها بالتفصيل في المقال السابق.
أعود إلى التذكير بمخاوف الدول الأوروبية عندما نذكر مخاوف دول مجلس التعاون، من التخلي عن سلطتها المالية والنقدية وخصوصاً النقدية التي سوف يديرها بنك مركزي واحد لا بد من إيجاد الثقة بقراراته قبل إعطائه هذه الصلاحية ويبدو أن البنوك المركزية الخليجية لا تزال لم تكسب الثقة أو المصداقية بالرغم من نجاحها حتى الآن في تجنب الهزات المالية والنقدية، بحكم توافر السيولة لديها والمحافظة التي تميزها في سياساتها النقدية والائتمانية.
إن الوحدة المالية والنقدية يجب أن تكون لاحقة للسوق المشتركة والتكامل الاقتصادي والمالي والسياسي، الذي سوف يعطي دول الخليج العربية القوة الاقتصادية والسياسية، ويمكنها من تحقيق الآمال المشروعة لمواطنيها بتحسين مستوى المعيشة وزيادة الرفاهية والقضاء على البطالة والفقر إلا أن هذه الدول وشعوبها يجب أن تعي جيداً أن هناك تضحيات وتكاليف لا بد أن تدفع في المدى القصير للحصول على الفوائد والمزايا من الوحدة الاقتصادية والمالية، وهذا هو الثمن الذي لا يبدو أن أحداً يريد دفعه مقدماً. والله الموفق.
عضو مجلس الشورى