إلى أين يمضي هذا العالم؟!
القوة المفرطة نجحت في إسقاط أنظمة صدام، الملا عمر، وسلوبودان، وتم تفكيك أوصال تلك البلدان.. لكن هل أصبح العالم أكثر أمنا بعد كل ذلك؟
الخط البياني للأعمال الإرهابية لا يتصاعد فحسب وإنما يتشظى مغطيا بلدانا في القارات الآسيوية، الإفريقية، الأوروبية، الأمريكية وحتى أستراليا، وما زالت القوى البشرية الفاعلة في الإرهاب التي تم سحق الآلاف منها تملك القدرة على التجنيد والعودة إلى مواقعها تمارس فيها سطوتها كما في أفغانستان ـ طالبان، بعث العراق وغيرهما من صانعي العنف والموت.
لا القوات الأمريكية الضاربة في العراق، ولا قوات الحلفاء معها ولا الحلف الأطلسي في أفغانستان ولا حتى القوات الدولية في مناطق الصراعات استطاعت جعل السلام والأمن ممكنين على النحو الذي يتطلع إليه العالم.
يبدو أن استخدام القوة، مهما كانت مفرطة، أدى إلى محصلة معاكسة للمزاعم المأمولة والمنشودة للاستقرار الدولي .. وهو درس لم تتضح حقيقته وصدقيته إلا على دفعات، فقد كانت الحروب التي نشبت في العالم، بما فيها الحربان الكونيتان تقدم إجابات شبه مقنعة على أن للقوة دورا في كبح الطغيان والشر وإعادة صياغة الحدود الدولية والتوازنات بين الأمم والشعوب.
بيد أن بزوغ طاعون الإرهاب إلى جانب تفرد الولايات المتحدة بقوة عظمى وحيدة في العالم، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، جعل شن حرب بأسلحة خارقة الفتك ضد أنظمة وعصابات تدار بأيدي الإرهاب مجرد نوع من استنزاف تراجيدي عبثي لأطراف النزاع، فلا القوة المفرطة اقتربت من هدفها في سحق الإرهاب ولا الأخير بقادر على إلحاق هزيمة كبيرة بها.
مشكلة الإرهاب أن دولته، بنيته التحتية، وأدواته لها خاصية الذوبان والتخفي في أجساد الدول نفسها وبالتالي التملص من المراقبة والسيطرة عليها، والخسائر التي تلحق بدولة الإرهاب الخفية لا تحدث ردود فعل خارج سيطرتها، إذ هي ناذرة نفسها للموت والفقد ثمنا لإزهاق الأطراف الدولية التي تسعى إلى تدميرها. فيما تمثل الضربات الموجعة والخسائر التي تمنى بها الدول من قبل الإرهاب تأثيرات خطيرة تتعداها إلى غيرها جراء مسؤوليتها عن ممتلكات وأرواح شعوبها. هذا فارق يلعب عليه الإرهاب يستثمره ويوظفه لصالحه ضد خصومه من الدول التي فعلا يقض مضاجعها هذا الفارق الشيطاني ويجعلها مأزومة في البحث باستمرار عن طرق تسحق الإرهاب وتحول، في الوقت نفسه، دون تداعيات آثار ردود فعله في المحيط الاجتماعي.
سجال العنف هذا، يبدو أنه بحاجة إلى منهج جديد لتوجيهه لصالح الدول والشعوب بغير القوة المفرطة التي لم تفلح في القضاء عليه، أو بتوظيف معطيات القوة على نحو آخر غير شن الحروب، وما المحاولات الخجولة لإجراء مفاوضات أو لقاءات بين بعض المتهمين بالإرهاب إلا إحدى الإشارات التي تدل على أن المأزق في استخدام القوة المفرطة قد بلغ حد التسليم بعدم قدرتها على حسم الأمور.
ومع أن هذا المآل الذي أسفر عنه سجال العنف، كانت بوادره حاضرة في الحصاد المر للحروب السابقة في العالم، خصوصا، الحربين الكونيتين، فالمفكرون والمحللون كانوا قد نبهوا إلى أن المنتصر في الحرب مهزوم، وأن المآسي التي تتركها الحروب لا تدمل جراحها السنوات وإنما يتجمع صديدها ليوفر حمم براكين نزاعات وحروب قادمة .. أقول، مع أن ذلك قد قيل، إلا أن ثمة بوادر جادة لإعادة الاعتبار للعوامل الإنسانية بين الدول والشعوب والأمم وإعطاء حق العيش الكريم والتمتع بالحرية والأمن أولوية وإقصاء القوة والعنف وتجذير آليات اللقاء والحوار وأن هذا النهج كفيل بإعادة الوعي لفاقديه وتسييد الرشد والاحترام بين الجميع، أما الشذوذ والجنوح والإجرام فلن تعدم العقول والقلوب حين تتفاهم الوسيلة لوضعها حيث تحبس شرورها أو يتم تأهيلها.. فهل بلغت الإنسانية سن الرشد فعلا أم أننا خلقنا لنقتتل؟!