برنامج مساكن: بين مقالة د/ الزامل والهرم المالي المعكوس
تحدث عضو مجلس الشورى الدكتور الزامل في مقالة على صفحات هذه الجريدة يوم 09/07/2007 عن شجون حول مشروع "مساكن" وتداعيات كثيرة حول إشكالية التمويل, واحتار أمري في هذه المقالة التي هي أقرب إلى التشجيع مرات والأماني مرات منه إلى التحليل.
الكل يعرف مدى الفجوة وقلة دخول فئة من المواطنين إلى درجة عدم القدرة على مواكبة دفعات "معقولة" لخدمة القروض الإسكانية. هناك أسباب موضوعية في تركيبة النظام الإداري والمالي في المملكة تحول دون التطور المنشود. كذلك يعرف الجميع مدى حرص القيادة على تذليل الصعوبات التي تواجه العملية التنموية عموماً وهذا القطاع الحيوي خصوصاً. فحرص خادم الحرمين الشريفين على السرعة في إنجاز منظومة القوانين التي تحكم العملية التمويلية والرهن معروف ولكن الأجهزة البيروقراطية تحاول معالجة الجزئيات مرات والحرص على العلاقات العامة مرات أخرى. "برنامج مساكن" الذي أعاد إثارة جدل حول هذا الموضوع المهم هو أحد هذه الجزئيات. محاولة لاستخلاص النقاط التي وردت في مقالة الدكتور الزامل تقودنا إلى عدة نقاط في صلب الموضوع نذكرها تباعاً.
قطاع تمويل الإسكان من أكبر القطاعات المالية ولم يعط حقه في التركيبة المالية المصرفية في المملكة (فهو مثلا يبلغ نحو 70 في المائة من الدخل القومي الإجمالي في أمريكا) ولم يبلغ حتى 2 في المائة من الدخل القومي في المملكة لعدة أسباب منها ضعف البيئة التنظيمية في ما يخص آلية الرهن العقاري لتمكين رأس المال من الدوران بيسر وسهولة, والسبب الثاني هو أن الكثير من المواطنين لديهم توقعات بدعم حكومي مباشر على أثر تجربة صندوق التنمية العقارية, والثالث هو غلاء الأراضي بسبب النظر إليها كوسط استثماري في المقام الأول (لاحظ عدم توازن تكلفة الأرض مع تكلفة بناء المنزل)، مما يتوجب الحاجة إلى تعديل حالة الأرض الاستثمارية من خلال توثيق فرض الزكاة أو رسم على الأراضي الخالية لتحفيز الملاك لاستخدامها لأغراض السكن وليس المتاجرة والاستثمار الذي يعوق الإسكان. في هذا السياق ذكر المقال أن المملكة قارة وهذا ليس له معنى اقتصادي.
هناك خلط في الإدارة المالية فالأحرى بمؤسسة التقاعد ومؤسسة التأمينات أن يقوموا بدور شراء القروض وليس التمويل المباشر حيث إن دورة التمويل العقاري للمساكن طويلة وتتطلب درجة من الاستمرارية المؤسساتية. عملية التمويل العقاري سلم طويل فيه قيمة مضافة لكل مشارك. يفضل أن تكون هناك مؤسسات مالية كبيرة قادرة على الشراء من المموولين المباشرين. فالبنوك والمؤسسات المالية المتخصصة هو التي تقرض ثم يتم شراء هذه القروض من قبل مؤسسة التقاعد والتأمينات (كسندات) وقد يكون هناك "ضمان" لهذه السندات من الحكومة.
كما ذكر الدكتور الزامل هناك عتب كثير على بعض الأجهزة الحكومية ذات العلاقة التي تناط بها مسؤولية كبيرة سواء في هيئة الخبراء أو مجلس الشورى أو أجهزة للقضاء وغيرها من الأجهزة الحكومية التي تفضل اللجان والتأخير وحتى عدم الالتزام مما يحول دون الوصول إلى طموحات القيادة. قد يكون "عزل" هؤلاء في مكان واحد يجبرهم على إكمال هذه المنظومة من الأنظمة المهمة. ولكن السؤال المهم هو هل الأنظمة تكفي أم أن هناك حاجة وصراعا لتغيير البيئة الاقتصادية والبدء في استعمال الزكاة والرسوم ولإيجاد مزيد من العقلانية في التصرفات الاقتصادية وحزم في التنفيذ. فلن تتغير أسعار الأراضي كجزء من تكلفة المنازل دون رسم على الأراضي ولن يكون هناك دوران في رأس المال دون "ضمان" في تنفيذ آلية الإخلاء في حالة عدم التسديد في وقت قياسي.
النقطة الأخيرة هي الحاجة إلى الفرق الواضح بين الحاجة إلى مساعدة غير القادرين من المواطنين والحاجة إلى إيجاد الأطر الصحية للبناء المؤسساتي. للحكومة دور لم تتردد تاريخياً في القيام به ولكن الخلط بين الاثنين يشوه كليهما ويعوق العملية التنموية ويغطي عيوب المقصرين في الجهاز البيروقراطي. المبادرة سامية الهدف ولكنها ليست في صلب مسؤولية مؤسسة التقاعد، فهذه أموال المشتركين ولذلك يجب الوضوح في الاستراتيجية المتبعة في إدارتها, وهذا قد أثر إعلاميا, ولكن الإعلام ليس هو المشكلة, بل المنظومة المالية والتنظيمية غير المكتملة.