رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


العقل العربي الرسمي تفكير موضوعي أم عاطفي؟ فلسطين نموذجاً

[email protected]

يقال إن المحن والمصائب تجمع بين الفرقاء والمختلفين مهما كانت الاختلافات الموجودة بينهم, لكن هذا القانون البشري العام قد لا يصدق على الحالة الفلسطينية, فالاختلافات بين المنظمات والحركات الفلسطينية لم تنته عند الاختلاف في الرؤى والأساليب لتحرير الأرض المغتصبة, بل تعدت إلى التحارب والتعدي من قبل البعض على الآخر, بل تعدى ذلك إلى التعاون والتنسيق مع العدو الصهيوني. وما حالات الاغتيالات التي حدثت لقياديين فلسطينيين من قبل الإسرائيليين وبالطائرات إلا نتيجة هذا التآمر والتنسيق مع العدو, كما أن حالات التصادم بين الأطراف الفلسطينية, واستخدام السلاح في وجه الأخ أصبح أمراً متكرراً, ولم يعد مستغرباً ــ مع شديد الأسف ــ لكن إذا عرف السبب بطل العجب كما يقول المثل, ولا يمكن أن نرى دخاناً من دون عملية احتراق تحدث, فالمواجهات, والخصومات, لا تأتي من لا شيء وإنما هي نتيجة عوامل أساسية تكمن في العقول والأنفس, وتحرك المشاعر وتوجهها, ومن ثم تؤثر في السلوك, والفعل الصادر من الأطراف المختلفة وما حدث في غزة أخيرا يمثل صورة حية للواقع الفلسطيني الذي تعيشه المنظمات والحركات وليس بالضرورة الشعب الفلسطيني الذي يعاني الفقر والتشرد والإذلال على يد الجلاد الإسرائيلي المدعوم غربياً وبالأخص أمريكياً.
قبل اتفاق مكة كانت الأوضاع متفجرة والخصام على أشده لعدة أسباب منها فساد الأجهزة الأمنية, وعدم ائتمارها بإمرة الحكومة, ومن الأسباب عدم إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية, إضافة إلى غض الطرف عن المتعاملين مع العدو الصهيوني, الذين كان لهم دور كبير في اغتيال الكثير من القيادات السياسية والعسكرية البارزة, التي منها الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وصلاح شحادة وغيرهم كثير. لكن جهود المملكة أدت إلى اتفاق مكة وشكلت حكومة وحدة وطنية وفق أمور اتفق عليها وعلى ضرورة تنفيذها, وكان المؤمل فعل ذلك والالتزام به من قبل الأطراف, لكن يبدو أن الأمور تسارعت ولم يعجب الاتفاق بعض الأطراف الإقليمية والدولية, وعلى رأسها الولايات المتحدة التي قللت من الاتفاق في حينه, وذهب بعض المحللين إلى توقع هذا الانفجار, وهم محقون في ذلك, لأن السبب الرئيس في المشكلة لم يحل, وما تم تناوله هو القشرة الظاهرة.
وبغرض فهم المشكلة في جذورها الأساسية يحسن تناولها من مجموعة جوانب أولها التوقف عند ما حدث في غزة وما تلاه من رد فعل, فما حدث في غزة مرده الفساد الذي تعانيه الأجهزة الأمنية والذي قادها إلى رفض أوامر الحكومة والقيادة السياسية حتى تحولت هذه الأجهزة إلى حكومة بل حكومات لا تأتمر لأحد سوى ذاتها ما أحدث انفلاتاً أمنياً تضرر بسببه الشعب الفلسطيني. وفي ظني أن هذا الوضع في الأجهزة الأمنية مرده المصالح الشخصية الضيقة حيث المكاسب والامتيازات التي يحصل عليها منتسبو هذه الأجهزة دون سواهم ولا يرغبون في التنازل عنها خاصة أن بعض قادة هذه الأجهزة لهم ارتباطات مريبة مع العدو الصهيوني, وهذا وضع خطير لا يمكن أن يستقيم معه أمر أمة أو وطن. ولو تفحصنا ردود الفعل التي حدثت بعد سيطرة "حماس" على غزة لوجدنا فيها العجب العجاب ما يساعد على كشف الأسباب الحقيقية. ودون ذكر أسماء نجد أن ردود فعل قادة "فتح" وقادة السلطة في الضفة كانت متشنجة وغير مقبولة, فأحد القادة الفلسطينيين يصف "حماس" بالظلامية والتكفيرية, وبالرغبة في إقامة إمارة إسلامية. وعجبت لما سمعت, وتأملت, وتساءلت كيف يصف شخص شريكا له في المصير بهذه الألفاظ؟ فإما أن تكون هذه الألفاظ نتيجة وضع نفسي متأزم جعل العاطفة تطغى على العقل, وإما أن مكونات العقول مختلفة من الأساس, ولذا لا غرابة في هذه الألفاظ وغيرها, وينطبق على هذا الوضع المثل القائل "كل إناء بما فيه ينضح". مسؤول فلسطيني آخر سمعته على إحدى الفضائيات يتحدث بصورة انفعالية ويردد عبارات مثل حماستان, عربستان, إسلامستان, تورا بورا, كما تأملت كثيراً حين سمعت أحد قادة "فتح" وهو ينتقد زيارة نائب رئيس المجلس التشريعي الأجهزة الأمنية في غزة ويستنكر مصافحته لهم, ولم يدر بخلد هذا المسؤول "الفتحاوي" أن المشاهد سيتساءل وهل مصافحة وتقبيل أولمرت وشارون حلال؟! لقد قرأت حالة البؤس, والإفلاس العقلي وأنا أسمع مثل هذه الألفاظ, إذ كيف يتجرأ مثل هؤلاء وهم قادة شعب يسعى إلى التحرر من الظلم والقهر والطغيان الذي حل بهم منذ 60 سنة وصف إخوانهم بمثل هذه الألفاظ؟ وكيف يمكن أن تخدم قضية فلسطين بعقول تفكر بهذه الطريقة؟
إن فوز "حماس" في الانتخابات التشريعية وتشكيلها الحكومة أحدث خللاً لم يكن متوقعاً, خللاً إقليمياً, ودولياً, ومحلياً على مستوى الساحة الفلسطينية, ففوز "حماس" ترتب عليه خسارة "فتح", وكوادر "فتح" وقياديوها لم يكن في تقديرهم بروز حركة تسحب البساط من تحت أقدامهم على مستوى الشارع الفلسطيني, فطوال العقود الماضية كانت حركة فتح هي الآمرة الناهية, المسيطرة على الأوضاع, المتحدثة باسم الشعب الفلسطيني وقضيته, أما أن يأتي من ينافس على الساحة ويقدم رؤى مختلفة عما كان سائداً في السابق فهذا فيه تجاوز لحقائق تاريخية في نظر الفريق الرافض للأوضاع الجديدة, كما أن فيه فقدان لامتيازات جمة كان ينعم بها ذلك الفريق وليس الشعب الفلسطيني.
إن الاختلاف في الآيديولوجيا التي تأسست في ضوئها هذه الحركات والمنظمات يمثل أساً رئيساً في خلق هذه المشكلة, وغيرها من المشكلات بين الفلسطينيين, فاستخدام مصطلح ظلامي, وإسلامستان, وإمارستان, وتورا بورا, يعني الاختلاف في الفكر, والتوجه, والمنهج ومن استخدم هذه الألفاظ استخدمها وهو في كامل قواه العقلية ما يعني أنه يعبر عن منظومة فكرية مختلفة تماماً عن المنظومة التي يحملها الطرف الثاني, وفي هذا هدم لأسس قوية تقوم عليها قضية فلسطين, ففلسطين بلد عربي ـ إسلامي, يوجد فيه المسجد الأقصى, أولى القبلتين, وثالث الحرمين الشريفين, ومسرى رسول الله, صلى الله عليه وسلم, والتشبث بهذا الأساس والانطلاق منه لخدمة القضية يمثل مصدر قوة على الساحتين العربية, والإسلامية اللتين تستمد منهما القضية قوتها ورصيدها المادي والمعنوي.
إن الارتباط والاستقواء بالآخر على الأخ سواء في فكره, أو منهجه, أو دعمه المادي والمعنوي كما في مشروع دايتون الذي تقدمه الحكومة الأمريكية للسلطة الفلسطينية, سبب رئيس لما يحدث بين الأشقاء من فرقة, ونزاع, ولا يمكن أن تتجاوز هذه الإشكالية إلا بالعودة إلى الحضن الرئيس, حضن الأمة بثوابتها وقيمها ومنهجها في الحياة, فالأمة الرصيد الحقيقي, أما أمريكا وملايينها التي رفعت الحظر عنها لصالح حكومة الطوارئ فلن تحل المشكلة بل ستزيدها تعقيداً لأن مصلحة أمريكا العليا تقتضي إشغال عالمنا العربي والإسلامي بالفتن والمشكلات حتى يبقى ضعيفاً يعتمد عليها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ولن تحل مشكلة فلسطين باجتماع قمة يحضرها إيهود أولمرت فالخصم والعدو يأخذان, ولا يعطيان, ويقتلان ولا يواسيان, ويدمران ولا يعمران, فهل نأخذ من التاريخ الدروس والعبر؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي