الإسكان ضرورة.. لا ينصفها السوق
يبدو أن الإسكان الذي هو من ضروريات الحياة ولا غنى عنه بغض النظر عن مساحته ونوعيته وعدد ساكنيه وعلاقتهم القانونية قد تحول للمتاجرة المحتكرة وأصبح سلعة صعبة المنال لا يستطيع دفع تكاليفها كثير من الناس. قد يكون من بين أهم الأسباب التي أدت إلى ارتفاع التكاليف المغالاة في سعر فائدة القروض السكنية. وعلى أن هناك كثيرا من الأطراف الذين يشاركون في قطاع العقار والإسكان إلا أن الممولين يعتبرون الأكثر جنيا للأرباح بأقل الجهد والتكاليف فالمؤسسات المالية تستفيد من الإيداعات الكبيرة التي لا يطالب كثير من المودعين بفوائد لأسباب دينية، وهكذا تقوم بإقراض هذه الأموال لتحصد كثيرا من الأرباح دون أن يكون لها مساهمة تذكر في عمليات الإنشاء وتقديم خدمات سكنية مباشرة. وليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فهذه البنوك تقوم بعمليات الإقراض التي تدعي أنها ميسرة وهي في حقيقة الأمر لا تتعدى كونها ارتهانا للمقترضين اقتصاديا وسلبهم أموالهم أضعافا مضاعفة عما يحق لها، ذلك أن المقترض يقوم بدفع فائدة مركبة فيستمر في دفع فوائد عن أموال قام بسدادها! كل ذلك تحت نظر المسؤولين وباسم اقتصاد السوق وضمان حرية الاستثمار وهي دعوة ظاهرها الرحمة وباطنها هدر لحقوق المواطنين. المشكل هنا هو التفسير الانتقائي لمفهوم حرية السوق بحيث يؤخذ ببعض النظام ويغفل عن كثير. هناك من يلتمس العذر لنظام الإقراض في البنوك ويبرر للفوائد الفاحشة ويحتج بأنها نتاج آلية السوق وحصيلة قوى العرض والطلب، إلا أنه ينقض ذلك الاحتكار الذي يقوض عملية السوق برمتها، وطالما أن هناك احتكارا وموقفا قويا للبنوك والمؤسسات المالية التي تركت تصول وتجول دون حسيب أو رقيب ودون ضبط لعمليات الإقراض ستستمر البنوك في النهج ذاته في عملية الابتزاز تحت نظر النظام وفي دائرة القوانين التي لم تعر هذه القضية أي اهتمام ودون أن يحرك أحد ساكنا!
إن قضية الإسكان قضية عامة وهذا يتطلب تدخل الجهات الرسمية لحفظ الصالح العام وتحقيق العدالة الاجتماعية وكسر الاحتكار. حتى في الولايات المتحدة الأمريكية مهد الرأسمالية هناك قانون كسر الاحتكار "Anti Trust law" وقد يكون البعض على علم بقضية مايكروسوفت ومن قبل ذلك بأعوام عديدة شركة الهواتف بيل وغيرها كثير التي يطلب من الشركات الكبيرة عدم احتكار الخدمة والسيطرة على السوق. وعندما يتعلق الأمر بالصالح العام يتطلب ذلك تدخل الحكومة لأن ذلك من صميم عملها. يظن البعض خطأ أن دور الحكومة في المجتمع يقتصر على تقديم الخدمات العامة، بينما هناك أدوار رئيسة قد تكون أكثر أهمية تتعلق بتشريعات وسياسات إعادة توزيع الدخل، التي في مجملها تعتمد على جعل الأكثر حظا في المجتمع يتحملون تكاليف الخدمات العامة أكبر نسبيا عن الأقل حظا، إذ إن المنفعة الحدية من الريالات الإضافية للأغنياء تكون أقل منها عند الفقراء وهذا جوهر التفريق في مستوى الرسوم بين الأغنياء والفقراء.
لقد شجع الفراغ القانوني (أن صح التعبير) لقطاع العقار والتمويل في استغلال قلة قليلة في المجتمع لصالحها ليكون هناك احتكار للثروة ليس بمفهومه المباشر وحسب ولكن بمفهومه الاقتصادي العام. أي أن الأموال لا تدور في الاقتصاد وإنما تظل حبيسة البنوك والأراضي وتختصر عملية الإنتاج بين التمويل والتطوير دون أن يكون هناك تشريعات وأنظمة تحكم قطاع العقار وتضمن مشاركة واستفادة جميع الأطراف بدلا من اقتصارها على المطورين والممولين. إن أي عملية اقتصادية لا تؤدي إلى خلق قيمة مضافة ولا تقوم على آلية واضحة في توزيع الدخل على أساس المساهمة الحقيقية في عملية الإنتاج لا تقود إلى زيادة إنتاجية الاقتصاد الوطني وتحقيق توزيع عادل للثروة. فليس المهم تكبير الكعكة الاقتصادية ووضع أرقام خيالية أمام خانة أرباح البنوك وأرصدة المطورين العقاريين، الأهم هو رفع الدخل الحقيقي للمواطن العادي وتسهيل عملية حصوله على سكن مناسب بتكاليف يستطيعها. وهنا نقطة في غاية الأهمية تتعلق بالاعتماد على متوسط الدخل في الإحصائيات الاقتصادية كمؤشر لمستوى المعيشة وهو بلا شك مؤشر خادع لا يعكس مستوى دخل الفرد الحقيقي ولا يصف واقع الحال.
إن عدم وجود منظومة متكاملة للعقار وتمويله تقنن العلاقة بين المطورين، المستثمرين العقاريين، الممولين، والمقاولين من جهة والمستفيدين من جهة أخرى هو أساس مشكلة الإسكان. إن أي نظام لا يضع نصب عينيه الهدف الأسمى وهو خدمة عموم المواطنين وخاصة الأقل حظا في المجتمع وتحقيق المصلحة العامة بمفهومها الأوسع سيؤدي ذلك إلى اختلالات اقتصادية واجتماعية وأمنية ستطول سلبياتها الجميع وسيكون تأثيرها كبيرا وعلى مدى طويل، والأصعب أنه لا يمكن معالجتها بسهولة والتراجع والعودة مرة أخرى لسابق عهدها.
إن كثيرا من الأنظمة هي في أساسها جهوية تصاغ داخل البيروقراطيات ولذا تأتي ضيقة النظرة محصورة في مجال محدد تراعي مصلحة الجهاز الإداري وتسهب في وضع الإجراءات الإدارية والمالية ولو على حساب المواطنين الذين أنشئ الجهاز من أجلهم! ولا أدل على ذلك من مشروع مصلحة التقاعد والمعاشات لقروض الإسكان، الذي جاءت أنظمته لتحاكي نظام البنوك مثلا بمثل دون أي هدف اجتماعي ومسعى جاد للخروج بحلول جديدة تخفف عن كاهل المواطن أحمالا اقتصادية ثقيلة، فقد صرح المسؤولون في مصلحة المعاشات والتقاعد بكل وضوح وبصراحة تامة وجرأة في أن هدفهم جني الأرباح وليس تقديم خدمة للمواطنين! وكأنما لسان حالهم "من حضر القسمة فليقتسم" فهم أرادوا أن يستفيدوا كجهاز مثلما تستفيد البنوك التجارية من وضع قانوني يتيح الفرصة لجني الكثير بعمل القليل وبتكلفة تكاد لا تذكر! وفي المقابل نجد أن نظام التقاعد وضع بطريقة تضيق على المتقاعدين وأسرهم وتمنحهم النزر اليسير دون أن يكون لهذه الاستثمارات أثر في دخل المتقاعدين!
وهكذا تتحول الحلول في مواجهة مشكلة الإسكان إلى حلول ومعالجات إدارية فنية داخل الأجهزة الإدارية من منظور بيروقراطي صرف ويعود ذات التبرير مرة أخرى في أن حرية السوق وآلية العرض والطلب تفرض نفسها وهو بلا شك تبرير واه عار من الصحة، لأن حرية السوق تفترض المنافسة الكاملة حيث يكون فيها جميع الأطراف على حد سواء في القوة والتأثير، وهذا ما لا يتوافر في سوق العقار، خاصة في تطوير الأراضي والتمويل. حتى صندوق التنمية العقاري الذي أنشئ أساسا من أجل المساهمة في حل مشكلة الإسكان نجده قد وضع قائمة من الاشتراطات التعجيزية ابتداء من امتلاك ارض إلى حد أدنى من المساحة هذا إضافة إلى اشتراط مواد بناء مرتفعة الكلفة، ما أدى في كثير من الحالات إلى استفادة مرتفعي الدخول من القروض على حساب من هم أقل حظا، الذين أنشئ الصندوق من أجلهم! وهكذا ينسى الهدف الأساس وهو خدمة الأكثر احتياجا ليتحول إلى تنافس محموم بين الإدارات الحكومية في حيازة أكبر قدر من الصلاحيات والمخصصات المالية.
إن من الخطأ الفادح الاعتقاد أن تيسير الإسكان يقتصر على تمليك الوحدات السكنية، بينما يشمل حتى التأجير. من هنا كان من المفترض التفكير جديا في الدعم الحكومي للإسكان من خلال إقرار بدل سكن لموظفي القطاع العام لضمان إحدى أهم الضروريات المعيشية أسوة بموظفي القطاع الخاص، ولا يمكن ترك الموظفين الحكوميين برواتبهم الضئيلة يواجهون سوق العقار الشره بمفردهم. وإذا لم يكن هناك برامج محددة لمعالجة مشكلة الإسكان مقرونة بسياسات التمكين فسيكون هناك تبعات اجتماعية واقتصادية سلبية. إن القول بالمنافسة وحرية السوق وأنها تؤدي إلى الكفاءة والفاعلية هو قول صحيح، ولكن بشرط ضمان المنافسة وتكافؤ الفرص بين الجميع وإلا تحول السوق إلى قانون الغاب القوي يأكل الضعيف. ونافلة القول إن تحقيق الأهداف الاقتصادية يلزم أن يربط بتحقيق الأهداف الاجتماعية والمصلحة العامة.