علاقة التقنية بأسعار النفط وقانون هوتلينك ( الجزء الأول)
معظم مصادر الطاقة المعروفة اليوم ( 88% تقريبا) من النفط، الغاز الطبيعي، والفحم تعد مصادر ناضبة غير قابلة للتجديد, تلك المصادر تكونت على مدى ملايين السنين على هذا الأساس تصنف علميا على أنها "مصادر تحتوي على مخزون محدود ناضب غير متجدد", اقتصاديا تصنف على أن "الاستخدام الحالي للمصادر (الناضبة) يقل من محدودية المخزون للاستفادة منه مستقبلا". هذا يعني أن ما يستخرج اليوم ينقص عن ما هو متوافر غدا, لهذا فالاستخدام نهائي ولا يمكن توالده, استنساخه, زراعته أو إعادة تصنيعه مرة أخرى, السؤال هو ما الوسيلة المثلى للحفاظ على تلك السلعة النادرة من دون الإضرار بالعوامل المحيطة بها بشكل مباشر مثل النمو الاقتصادي؟ العديد من الاقتصاديين ناقشوا تلك المسألة من خلال أطروحات وتجارب عن علاقة الاقتصاد بالمصادر غير المتجددة أو الناضبة ومدى تأثيرها في النمو الاقتصادي, أهم النظريات التي مازالت تثير جدلا بين العديد من الاقتصاديين كانت من هارولد هوتلينك Harold Hotelling (1895م – 1973م) وهو برفيسور رياضيات وإحصاء له العديد من النظريات والقوانين, نشر له في "جورنال الاقتصاد السياسي" عام 1931م دراسة وتحليل عن اقتصاد المصادر غير القابلة للتجديد (الناضبة) والوسيلة الأكثر فعالية لاستثمار (استغلال) الموارد الطبيعية خلال مدة الإنتاج ووضع قانون سمي باسمه (قانونا هوتلينك) عن أسعار المصادر الطبيعية القابلة للنضوب , وهو يعتمد (قانون هوتلينك) على تصاعد نسبة التغير (بعد خصم التكلفة) للوحدة مع الوقت بما يعادل "معدل سعر الخصم" Discount rate (قيمة قوائم التدفق النقدي مستقبلا بدلا من قيمتها في الوقت الحالي) وهو يختلف عن سعر الفائدة Interest rate.
العديد من النماذج الاقتصادية ((ECONOMIC MODLE التي ناقشت قانون هوتلينك بعد ذلك وخاصة من بداية السبعينيات الميلادية وحتى الآن, ركزت على أن التطور التقنى كفيل بحل مشكلة المحدودية عن طريق زيادة الاحتياطات ونسبة الاستخلاص من المخزون المعلن, وقال سنثى لين عن قانون هوتلينك (Cynthia Lin 2004) إنه غير صالح كنموذج لمسار أسعار المعادن (النادرة) مع مرور الوقت لأنه بني (قانون هوتلينك) على أساس أن تكلفة الاستخراج لا تعتمد على حجم المخزون المتبقي تحت الأرض (OOIP), في دراسة أخرى لسنثي لين وجرنوت واجنيرCynthia Lin and gernot Wagner عن ارتفاع الأسعار في الوقت الحالي بأنه مؤقت وسيتبعه انخفاض للأسعار بسبب التطور التقني للصناعة النفطية, الذي من دون شك ساعد على استخراج المزيد من النفط المخزون (OOIP) خلال الفترة الماضية ولكن من جهة ثانية أيضا أوجد (استخدام لتقنية) العديد من السلبيات. العام الماضي (2006م) جون قودي وركسانا جولياJohn Gowdy and Roxana Julia من معهد رينسيلر بولتنيك فى نيويورك قدما بحثا عن "استنزاف التقنية والبترول: أدلة من حقلين ضخمين" فورتي في بحر الشمال (1970م) ويتيس في وست تكساس ( 1926م) اعتمادا على نتائج بحث هارولد هوتلينك للمصادر غير المتجددة , الهدف من البحث هو اختبار فرضية "أن التقنية ربما "قد" تزيد من الاحتياطات النفطية" عن طريق زيادة نسبة النفط المستخرج RV خلاصة نتائج بحث الحقلين فنيا وعلميا والمدونة بشكل دقيق جدا هي "أن التقنية تزيد من استخراج (RV) النفط وترفع مستوى الإنتاج في الحقل ولكن لفترة مؤقتة. من جهة أخرى هناك ثمن لذلك وهو أنها (التقنية) تزيد معدل نضوب الحقل وتقلل العمر الزمني للمصدر ( النفط).
المعلومات المتوافرة عن الحقلين اللذين استخدما في التجربة أشارت إلى أن تقنية استخراج النفط EOR التي تمت في حقل فورتي ببحر الشمال عن طريق ضخ كميات من غاز ثاني أكسيد الكربون CO2 داخل المخزون عام 1987م (بجانب بناء رصيف إضافي خامس) قللت من انخفاض معدل الإنتاج إلى النصف تقريبا من 6,4% إلى 3,5%, ولكن خلال سنتين عاودا معدل الإنتاج إلى الانخفاض بشكل أكبر عما كان عليه في السابق بنسبة 19,32% , ليعود بعد ذلك ويستقر معدل الانخفاض في الإنتاج إلى 10,44% سنويا.بالنسبة لتقنية الاستخراج في حقل يتس بغرب تكساس فهي بدأت بنهاية الأربعينيات الميلادية (1949م) عن طريق ضخ كميات ضخمة من المياه المالحة والغاز إلى المخزون زادت معدل الإنتاج إلى الضعف, في عام 1984م انخفض معدل الإنتاج مرة أخرى وأستمر في الانخفاض بشكل متواصل حتى عام 1993م عندها بدأ القائمون على الحقل بضخ المياه وثاني أكسيد الكربون داخل المخزون، إضافة إلى تركيب كيميائي يعرف باسم بوليمير (polymer) وهو مكلف جدا قد تصل التكلفة الإجمالية لاستخدامه من 10 إلى 15 دولارا للبرميل الواحدPTTC , حققت تلك الحلول بعض النجاح لمدة أربع سنوات تقريبا, في عام 1997م بدا الإنتاج ينخفض بمعدل أسرع من السابق (1984م – 1993م). لهذا السبب بعض المحللين في مجال الاقتصاد والطاقة يرون أن ارتفاع الأسعار في الوقت الحالي دلالة على صحة قانون هوتلينك للمصادر غير المتجددة وهو أن الأسعار تزيد مع انخفاض كمية المخزون المعلن (OOIP), الدور التقني محدود في الكمية المستخرجة والفترة الزمنية تماما كما رأينا في بحث جان قودي وروكسانا جولي عن مدى تأثير التقنية في المخزون المتبقي, هذا البحث (قودي وجولي) قد لا يكون معيارا للحقول الأخرى ولكنه مؤشر قوي ودليل على أن التقنية في الصناعة النفطية شبيهة بمعظم الصناعات الأخرى سلاح ذو حدين، هناك جانب إيجابي وآخر سلبي معايير الأخذ بها (التقنية), استخدامها بشكل محدود أو الابتعاد عنها يعتمد على تقييم حجم المخاطر التي قد تحدث في المستقبل للاحتياطات وللمخزون النفطي (معدل النضوب ونسبة الاستخراج) وإلى أي مدى ممكن تحمل نتائج ما قد يحدث وما الخيارات الأخرى المتوافرة.
أغلب النماذج الاقتصادية (ECONOMIC MODLE)، التي ناقشت قانون هوتلينك للمصادر الناضبة أو طرحت قوانين بديلة توصلت إلى نتيجة وهي سقوط قانون هوتلينك وعدم صلاحيته لنمو أسعار السلع الناضبة وغير المتجددة مع مرور الوقت, مع الإشارة إلى فترة منتصف الثمانينيات الميلادية وحتى عام 2003م عندما وصلت الأسعار إلى أقل من عشرة دولار للبرميل كدليل على ذلك, إضافة إلى ربط (النماذج الاقتصادية) ارتفاع أسعار النفط في الوقت الحالي بأسباب تتعلق بالتقدم التقني لاكتشاف المزيد وزيادة نسبة استخلاص النفط المستخرج (RV)، التي ستقلل مستقبلا تكلفة الإنتاج بالتالي ستعود على الأسعار بالانخفاض, أيضا عامل الوقت (T) معظم النماذج الاقتصادية تمت بعد عام1970م وهو العقد الذي بدأت فيه شركات النفط الوطنية تسلم زمام الأمور من شركات النفط العالمية, هل هناك علاقة بالتوقيت؟
نتائج الدراسات هل هي نهائية (Conclusive) ؟, أسئلة من الصعب الإجابة عنها, لكن من دون شك المجال واسع أمام كليات الاقتصاد للبحث والدراسة في هذا الموضوع من وجهة نظر دولة منتجة "لسلعة غير متجددة" مثل المملكة.