الرصيد المالي الأجنبي للمملكة

عضو الجمعية الاقتصادية السعودية [email protected]

يقدر رصيد المملكة الذي يُدار من قِبل مؤسسة النقد بأكثر من 200 مليار دولار، ويُعد رصيدا معتبرا بعد أكثر من 25 سنة من الرصيد الأول (قبل أن يستهلك في سد عجز الميزانية المتوالي حتى السنوات القليلة الماضية). لا يزال الرصيد يُدار بالعقلية نفسها وبالأنماط نفسها، بل الأشخاص أنفسهم في الغالب، هذه العقلية تسيطر عليها درجة عالية من التحفظ الشديد حتى حد الانكفاء والفصل بين الاستراتيجية الاقتصادية للمملكة وإدارة الرصيد وحتى عدم الرغبة في التغيير. مازال هذا الرصيد يستثمر في الأساس في السندات الحكومية الصناعية والودائع وبعض الأسهم عن طريق مديري حقائب أسهم مع بيوت المال الكبيرة وبعض المصارف "التي غالبا ما يكون أداؤها أقل أو قريبا من المؤشر، خاصة إذا كان العميل مثل مؤسسة النقد يوصي بالتحفظ"، أي ليس هناك من قيمة مضافة عدا القول إن المحفظة موزعة. الأهم سواء سندات أو ودائع أو محفظة أسهم تدار بهذه الآلية أن أداء إدارة المؤسسة استثماريا ضعيف ولا يخدم الاقتصاد السعودي أو طموح السعوديين قيادة وشعبا. التقصير الإداري ثم الزعم أنه سياسة تحفظية لعذر بيروقراطي مستهلك لا ينطلي على أحد. الرصيد المالي جزء كبير وليس فقط في الصورة المالية في المملكة، بل في التكوين الاقتصادي الأكبر وتداعيات ذلك على مسائل التنمية الأهم. بعد هذه التجربة الطويلة وتراكم الخبرة والمعرفة في الاقتصاد السعودي بشريا مؤسساتيا، مازالت مؤسسة النقد تحافظ على التحفظ رغم أن هناك اعتبارات فنية قد لا تدعم سياستها التحفظية هذه.
هل قلة الحيلة هذه آتية من رغبة في الحفاظ على دوره (المتميز) في إدارة هذه الأموال ثم تخويفه لمن هو أعلى منه كمجلس الإدارة بأن هناك مخاطر ومحاذير وتاريخ في التشبث بالماضي دون تساؤل جدي حول ماهية هذه السياسات الاستثمارية وإعادة النظر فيها، أم أن قلة الحيلة مصدرها ضعف الرؤية وقلة المعرفة والشجاعة.
أحد مظاهر الإدارة وخاصة الاقتصادية في المملكة أن كل إدارة تحاول قدر الإمكان الاستقلال وتقليل التواصل مع أي جهة أخرى. لعل أحد الأسباب رغبة بعض البيروقراطيين في إخفاء عدم الكفاءة أو الاستئثار بدور مهم دون تدخل الآخرين. في جميع الأحوال هناك خطر على درجة التنسيق في الاقتصاد السعودي من أجل تنمية عميقة مستدامة، وكذلك هناك خطر في الشفافية والأداء بهذه الحالة مع مؤسسة النقد. كفى نقدا ما هو الحل؟
سبق أن ناقشنا هذا الموضوع المهم على صفحات هذه الجريدة واقترحنا بعض الحلول ثم جاءت الأخبار من الصين أنها ستؤسس مؤسسة مستقلة لتقتطع جزءا معتبرا من الرصيد المالي الصيني الذي يبلغ تريليون دولار. ستستثمر هذه المؤسسة الجديدة في غير الأدوات المعتادة "التي تستثمر فيها مؤسسة النقد أو الصين"، أي أن هناك تغيرا نوعيا يخدم الاقتصاد الصيني، فهذه المؤسسة تطمح في استثمارات استراتيجية خارجية مكملة للاقتصاد الصيني، نظرا للنمو المتزايد في الصين، فهناك حاجة إلى المواد الخام والطاقة، ولذلك سيكون هناك توجها نحو شراء شركات وحصص كبيرة فيما يخدم الاقتصاد الصيني، ولعل هذا هو بيت القصيد بأن يخدم جزءا معتبرا من الرصيد الأولويات الاقتصادية السعودية من خلال استثمارات تخدم الاقتصاد في أضعف حلقاته كمجالات التقنية وشركات الطاقة البديلة وصناعة تحلية المياه والبيئة وغيرها من المجالات ذات العلاقة الحيوية.
تنظيميا يجب أن يستمر هذا الجزء للمستقبل والأجيال المقبلة ودفع "الاقتصاد السعودي"، وليس الوضع النقدي إلى المستقبل من خلال درجة أعلى من التنسيق الاقتصادي والتنموي. لا يمكن إدارة هذا الجزء، وبهذا الغرض الاستراتيجي السامي في ظل الوضعية الحالية، كونها بنكا مركزيا هاجسه الأول نقدي وتغطية العجز المالي فقط دون أخذ خطوات عملية لتطوير الاقتصاد بما يخدم الأجيال المقبلة، خاصة من قبل.
يحبذ أن تكون هناك مؤسسة منفصلة تكون مرجعيتها مجلس الوزراء وأعضاؤها مجالس إدارة المؤسسات الاقتصادية الفاعلة في المملكة. الاستثمار لا يكون استثمارا إذا لم يكن المستقبل هو بوصلته أو نابعا من قدرته في فهم المرحلة الاقتصادية وتلمس متطلبات هذه المرحلة، حيث الحاجة ماسة إلى الاستثمار في تقليل الاعتماد على العوائد النفطية مستقبلا. الجزء الأكبر من الرصيد يحبذ أن يبقى تحت الإدارة نفسها لأنه رصيد نقدي لحماية الريال وتجاذبات ميزان المدفوعات التجاري للحفاظ على توازن الاقتصاد واستقراره.
لقد حان الوقت لتغيير نوعي للخروج من قمقم الخوف، قد تكون الطريقة الحالية مناسبة لفترة ماضية "البعض يعتقد أن ما أدعو له كان من المستحسن العمل عليه منذ نهاية السبعينيات من القرن الميلادي الماضي، ولكن حان الوقت ألا نستسلم لآلية لم تتطور – استثمار في أدوات مالية قليلة العوائد ولا تخدم الاقتصاد السعودي – الضحية هو الاقتصاد السعودي والعملية التنموية.
لا أحد يرغب في وصول النقد إلى قرصه، لذلك سوف يدعي هؤلاء البيروقراطيون التعقل والابتعاد عن الخوض في نقاش السياسة الاستثمارية، ولذلك فإن المسؤولية تتعدى هؤلاء ويجب أن تصل الدوائر العليا في مجلس إدارة المؤسسة والمجلس الاقتصادي الأعلى. إن التنمية الاقتصادية تعني عدة خطوات صغيرة وكبيرة هنا وهناك، وهذه إحدى الخطوات فهي مهمة جدا لكنها لا تعني الكثير بمفردها، ولكنها إحدى الخطوات التي حان الوقت لها.

فواز بن حمد الفواز
عضو الجمعية الاقتصادية السعودية
[email protected]

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي