عندما يتحدث ثنائي الفشل

[email protected]

في إحدى القواعد العسكرية وبالتحديد في ولاية أوهايو تحدث الرئيس جورج بوش حول الحرب على الإرهاب، ورأيت أن من المناسب تناول ما ورد في كلمته حتى نعطي أنفسنا فرصة لمعرفة الآخر معرفة صحيحة خالية من الرتوش، فالمصلحة تقتضي التوقف عند كل كلمة وجملة, لا لأهمية الرجل في حد ذاته، بل لأنه يمثل دولة و ما يقوله أو يفعله يعكس سياسة الدولة بجميع مكوناتها المدنية والعسكرية حتى وإن وجدت أصوات تخرج بين الفينة والأخرى من هنا أو هناك تعارض سياسة أمريكا, سواء كان لهذه الأصوات الصفة الرسمية أو لم تكن. وبالمناسبة فإن كلمة بوش هذه جاءت بعد توصية الكونجرس على تمويل الحرب العدوانية التي تشنها أمريكا في العراق وذلك في تاريخ 1/4/1428 هـ الموافق 18/4/2007 م، علماً أن الكلمة جاءت بعد قتل المئات من العراقيين في يومي الأربعاء والخميس السابقين للكلمة. ويحسن أن نشير إلى أن التأمل والتمعن الدقيقين في الكلمة يكشف الكثير من الحقائق, منها أن بوش يتعرض للكثير من الضغوط نتيجة فشله الذريع في الحرب, ومصدر هذه الضغوط خسارة الحزب الجمهوري في انتخابات الكونجرس وفوز الديموقراطيين بالأغلبية، كما أن تبلور وعي شعبي حول الحرب والخسارة التي تدفعها الولايات المتحدة في أبنائها أوجد مناخاً تتحرك فيه القوى السياسية والشعبية للضغط على البيت الأبيض وإن كانت هذه الضغوط لم تصل إلى حد إجبار الرئيس على تغيير سياسته، لكنها نجحت في إسقاط الكثير من رموز دعاة الحرب والإرهاب في واشنطن.
وسعياًَ من بوش لمواجهة الموقف المتبلور في بلاده نحى إلى سياسة اختلاق العدو وإن كان هذا العدو وهمياً, وذلك بغرض توظيف غريزة الخوف لدى الإنسان الأمريكي حتى يضمن وقوفه مع سياسته وتأييده لها فها هو يقول المتطرفون والإرهابيون ينظرون للولايات المتحدة وإسرائيل كأعداء. وفي ربطه بين أمريكا وإسرائيل ملمح نفسي آخر وذو مغزى سياسي، فقوة اليهود الإعلامية والسياسية والاقتصادية في أمريكا قد تسهم في الترويج لسياسته ودعم الحرب التي يشنها في العراق، كما أن المشاعر الدينية التي تربط بين المسيحيين واليهود تجعل من هذه العبارة ذات قيمة حيث يربط مصير الولايات المتحدة بإسرائيل والعكس صحيح. وزيادة في إيهام المجتمع الأمريكي يحاول إبراز أهداف هذه الحرب من أنه سعي لمنع القاعدة من النجاح في العراق كما نجحت سابقاً في أفغانستان. إن إضفاء زخم على قوة القاعدة وخطورتها هو أحد الآليات التي تكررت في هذه الكلمة وغيرها من الكلمات بهدف جعل هاجس الخوف من القاعدة ماثلاً وحاضراً لدى الإنسان الأمريكي في كل لحظة ضماناً لتأييده الحروب التي تشنها أمريكا في كل من أفغانستان والعراق.
وسعياً من بوش لإشعار الإنسان الأمريكي أن هذه الحرب هي حرب دولية ضد الإرهاب, وأن أمريكا ليست وحدها في الميدان, نجده يقول, ويكرر في كل المناسبات أمريكا ليست وحدها في الحرب على الإرهاب، ومواصلة في استثمار غريزة الخوف نجده يكرر في موقف آخر من الكلمة عبارة يجب أن نحمي بلادنا، وإذا قارنا هذه العبارة بعبارة أخرى سبق لبوش تكرارها وهي أنه لو خرجت أمريكا من العراق فسيأتي الإرهابيون, والمتطرفون إلى أمريكا. كما أشار في موضع آخر من الكلمة إلى أن الخروج من العراق سيؤدي إلى سباق تسلح في المنطقة.
وبغرض بث التبريرات لهذه الحرب الطاحنة نجد بوش يربط بين الحرب والديموقراطية, والحرية ربطاً قسرياً ترفضه الأذن قبل العقل السوي، حيث يقول إن هدف الإرهابيين منع الديموقراطية في العراق، وفي ذات السياق نجده يكرر القول إن الجنود الأمريكيين عملوا ويعملون من أجل الحرية. ومع أن هذه العبارات أصبحت ممجوجة إلا أن بوش يصر على تكرارها رغم عدم منطقيتها, فالحرية, والديموقراطية لا يمكن تحقيقها بالقتل, والتعذيب, ونزع الكرامة من الناس, وهدم البيوت على رؤوس ساكنيها, وقتل الأبرياء, وتدمير البنية التحتية لبلد عامرٍ مستقر فأصبح خراباً تنعق فيه الغربان، وهذا هو واقع الحال الذي يحياه العراقيون بعد سقوط النظام السابق. ويمكن تفسير الإصرار على تكرار هذه العبارات بحالة الشعور بالإفلاس التي أصبحت أهم ملامح السياسة الخارجية الأمريكية, وحالة الرفض لأمريكا, ومشاريعها السياسية في كل أنحاء العالم.
وفي تخبط واضح ولا لبس فيه نجد بوش يربط وبصورة قسرية بين إعلان بريطانيا البدء في سحب قواتها من العراق والديموقراطية، حيث يقول هذا دليل على نجاح الديموقراطية في هذا البلد.
وإذا كان الرئيس بوش قد وصل إلى مرحلة من التخبط في تعليلاته للحرب وذلك من خلال كلماته وتصريحاته الكثيرة، فإن شريكه في جريمة الحرب توني بلير رئيس الوزراء البريطاني المستقيل لا يقل تخبطاًُ عن بوش، حيث يربط كبوش بين قتل الناس وتدمير ممتلكاتهم, والديموقراطية فهو وفي أكثر من مناسبة برر الحرب بالسعي لإحلال الديموقراطية, والحرية، وربطها بمحاربة الإرهاب, والمتطرفين وها هو في مؤتمر "الإسلام والمسلمون في العالم اليوم" والذي عقد في لندن يقول إن الصوت الحقيقي للإسلام في حاجة إلى أن يسمع، لكنه يؤكد في موضع آخر أن الاهتمام بالإسلام من قبل قطاعات المجتمع لا يعني المساواة بين الاهتمام بالإسلام بالخوف من التطرف, ويضيف قائلاً الشكوى الأكبر هي سرقة الدين من قبل المتطرفين. إن المتأمل في ما قاله بوش وبلير يجد أن الاثنين يجمع بينهما أمر واحد ألا وهو حالة الإفلاس النفسي والعقلي والذي أثمر عن إفلاس سياسي وأخلاقي لبلديهما، ولذا تأتي تعليقاتهما وخطبهما حول الحرب تكراراً مملاً، فاقداً للمنطق، مجرداً من المعاني السديدة، خاليا من احترام عقول من يخاطبون وإلا كيف يمكن أن يقبل أي فرد مهما كانت قدراته العقلية من تواضع قتل الأبرياء واستباحة الحرمات وتدمير البنى التحتية بأنه انتصار للديموقراطية والحرية. فرد واحد من الممكن أن يقبل مثل هذه التبريرات ويتفهم مثل هذه العبارات إنه المتجرد من القيم والأخلاق الإنسانية والفاقد لبصيرة العقل.
تداعت إلى ذهني بعض الأمثال وأنا أكتب هذا المقال إذ إن ما يتكرر وبكثرة على لساني بوش وبلير ينطبق عليه المثل القائل "تمخض الجبل فولد فأراً", فلا جديد, ولا مستساغ في كلام الرجلين, وما يجمع بين الرجلين من إفلاس سياسي, ونفسي, ومعنوي يعود في أساسه إلى الإفلاس في البناء الأخلاقي, ولذا فلا غرابة في هذا التخبط, وشن الحرب على العالمين العربي, والإسلامي, ويصدق بحقهما المثل القائل وافق شن طبقه، وما يفعلانه يتسق مع منظومتهما الحضارية, والثقافية القائمة على الغاية تبرر الوسيلة, فالمقدمات تؤدي إلى نتائج محددة, ومن يفتقد القيم لن يقدم على أعمال يكون فيها للقيم موطئ قدم ومن يزرع الشوك لن يجني عنباً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي