توسيع قاعدة سوق الأسهم .. الواقع والمأمول
من أبرز سلبيات سوق الأسهم التي أسهمت في ظهور بالون الأسعار قبل انهيارها في شباط (فبراير) عام 2006 قلة عدد الشركات المدرجة فيها قياسا بحجم اقتصاد المملكة وبأسواق أخرى مجاورة. فالشركات التي تتداول أسهمها من خلالها لا تعكس حجم النشاط الاقتصادي الحقيقي للمملكة ولا تشمل جميع القطاعات المؤثرة فيها. ومن هنا كانت الدعوات المتتالية لزيادة عمق السوق بإدراج مئات الشركات خلال السنوات المقبلة إذا ما أريد لها أن تكون قناة جامعة للرساميل الوطنية وحتى الأجنبية ومرآة تعكس قوة وحجم ونشاط الاقتصاد الوطني، ولكي يتم القضاء أو التخفيف من بعض سلوكيات المضاربين التي تعمل جاهدة على التأثير في مستويات الأسعار بطرق ملتوية وغير أخلاقية بقصد تحقيق مكاسب مالية آنية على حساب ملايين المتعاملين في السوق وعلى حساب قوة الاقتصاد الوطني ومتانته ومستوى الرفاه المعيشي للأفراد.
أتذكر أنني طالبت قبل سنوات بإيجاد شكل نظامي جديد للشركات العائلية يكفل لها الاستمرار والبقاء، لأنها تكون قوية في وجود جيل المؤسسين, لكن الخلافات بين الورثة تنخر عودها بعد رحيلهم, الأمر الذي يعرضها للاضمحلال ومن ثم التفتت والزوال، واليوم يمكنني أن أعتبر أن الشركة المساهمة المفتوحة تعد وسيلة جيدة لتحقيق هذا الأمر، وهذا ما بدأت به العديد من الشركات العائلية التي تحولت فعلاً إلى شركات مساهمة وبعضها ما زالت تنتظر دورها.
لذا فإن إدراج الشركات العائلية في سوق الأسهم يحقق أكثر من هدف, أهمها زيادة عمق السوق كي تعكس واقع النشاط الاقتصادي للمملكة, وثانيها الحفاظ على تلك الشركات من الزوال بعد جيل المؤسسين، لكن الطريقة التي اتبعتها هيئة السوق المالية وملاك تلك الشركات لتحقيق هذا الهدف الوطني أثارت ملاحظات مهمة لا تعزز, وربما لا تحقق, من وجهة نظري, الأهداف التي جعلت الكثير من المراقبين للشأن الاقتصادي يطالب بزيادة عمق السوق عن طريق إدراج شركات جديدة فيها.
أولى تلك الملاحظات أن كثيرا من الشركات العائلية التي أدرجت في السوق لا تشمل جميع ممتلكات تلك العائلات ولا تغطي أنشطتها المتعددة ما ولد شعورا قويا أنها تخلصت ربما من بعض الأنشطة الضعيفة أو التي تكثر مشكلاتها التشغيلية والتسويقية, وهذا بطبيعة الحال أمر لا يحقق الأهداف الإيجابية التي حفزت هيئة السوق على الموافقة على إدراجها في السوق. كما أن بعض الشركات طرحت برساميل متواضعة – ربما للسبب السابق – وهذا جعل السيطرة عليها من قبل المضاربين أمرا ممكنا, وهذا لا يخدم السوق ومستقبلها ولا الأهداف التي من أجلها دعا الكثيرون إلى زيادة عمق السوق.
ومن الملاحظات أيضا انخفاض نسبة الأسهم المطروحة للاكتتاب كما حدث أخيرا في شركة المملكة القابضة, وحتى تلك التي طرحت نسبة 30 في المائة من رأسمالها، فهي نسبة قليلة وتساعد على احتكار المؤسسين تلك الشركات بعد طرحها للاكتتاب حتى يتم التخلص من أسهمها بعد انتهاء الحظر على تداول أسهمهم فيها. وأخيراً فإن طريقة بناء الأوامر التي اعتمدتها هيئة السوق أخيرا تشوبها ثغرات خطيرة تسهم في مضاعفة أسعار الأسهم بعد التداول ولا تخدم هدف توسيع قاعدة الملكية الذي يعد أهم أهداف الأسواق المالية, كما أنها تحقق مكاسب كبيرة للصناديق على حساب المتعاملين الأفراد.
من هنا لا جدوى من زيادة عمق السوق بهذه الطريقة التي تسهم في تحقيق ملاك تلك الشركات أرباحا كبيرة على حساب أفراد ما زالوا يعانون تبعات ما حدث للسوق منذ نحو سنة وبضعة أشهر. وأعتقد أن إعطاء الشركات الجديدة الأولوية أمر مهم حتى لو كان على حساب الشركات العائلية القائمة اليوم، وأدعو هيئة السوق لوضع ضوابط على الشركات القائمة التي ترغب في طرح أسهمها مثل أن تكون الشركة المطروحة تشمل جميع أنشطة العائلة الاقتصادية, وأن يتم رفع نسبة الأسهم المطروحة عن 30 في المائة, وهي المتبعة اليوم.
أتمنى ألا تستغل الشركات العائلية توجه هيئة السوق المالية لزيادة عمق السوق لتحقيق مكاسب مالية أو التخلص من فروع لأنشطتها تواجه مشكلات، كما أتمنى ألا تسهم طريقة بناء الأوامر صناديق الاستثمار خصوصا الجديدة منها, التي ربما أنشئت لهذا الغرض, مكاسب على حساب الأفراد بحجة بناء الأوامر.