لولوة بنت إبراهيم بن سعيدان: تقسيمات الأراضي يجب أن تراعي المتغيرات الاقتصادية لتتجاوب مع الطلب على المساكن
هناك علاقة وثيقة بين أنظمة البناء والتخطيط العمراني للأحياء وتوجهات أو ثقة السوق للاستثمار في مدننا فكلما كان هناك شفافية واضحة ورؤية طويلة المدى لأنظمة التخطيط والبناء كلما كان هناك ثقة أكبر لدى المستثمرين في استقرار وثبات السوق العقارية وزيادة ثقتهم في أهمية ومردود الاستثمار فيه. لكن الملاحظ الآن في السوق العقارية في المملكة هو غياب تلك الثقة والوضوح بين التخطيط والمستثمر والمطور. القرارات التخطيطية وأنظمة البناء لا تتغير بالسرعة الملائمة لمواكبة التغيرات العصرية وتستمر لسنوات وإن تغيرت فإنها تتغير دون سابق إنذار. ولعل أكبر شاهد على ذلك هو القرار الأخير الخاص بزيادة الارتفاعات فإنها تتغير في المنطقة التجارية في العليا. وقد كان من المفترض اتخاذ هذا القرار منذ زمن بعيد نتيجة للطلب المتزايد على الأراضي في تلك المنطقة والذي أدى إلى ارتفاع أسعارها بشكل غير مألوف، وقد تضرر الكثير من المستثمرين نتيجة تأخر إصدار هذا القرار حيث فوجئوا بأنه قد فاتتهم فرصة الاستفادة منه مبكراً واتخاذ قراراتهم التصميمية على هذا الأساس مما كان سيوفر عليهم المال والجهد والوقت وتقليل التكلفة على المواطنين، إضافة إلى إن هذا القرار لم تثبت جدواه وصلاحيته بعد.
لذلك قدمت لولوة بنت إبراهيم بن سعيدان ورقة تركز على إبراز بعض النقاط الرئيسية لما يعانيه المستثمرون في السوق العقارية وما يتطلعون إليه من رؤية لوضع آلية للربط بين ألأنظمة والسوق ولعل من أبرز تلك النقاط ما يلي:
1) عدم مواكبة المخططات وتقسيمات الأراضي للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية بحيث تتجاوب مع نوع الطلب الحالي والمستقبلي على الوحدات السكنية، حيث تشير الدراسات إلى أن هناك عزوف عن قطع الأراضي الكبيرة لبناء الفلل الكبيرة بينما الطلب يتحول إلى القطع الصغيرة المناسبة لبناء الفلل الصغيرة والمتلاصقة والشقق السكنية.
2) عدم قدرة النطاق العمراني للمدينة على التحكم في التوسع العمراني وعدم وضوح الأنظمة لذلك فبعض المدن وصلت إلى النطاق العمراني الثاني وتعدته إلى النطاق الثالث.
3) فرض خدمات البنى التحتية على المطورين حتى في المناطق البعيدة والتي من الواضح أنه لن يتم الوصول إليها قبل سنوات طويلة وبذلك فإنها استثمارات سيصيبها التلف والتآكل قبل أن يصلها السكان. بالإضافة إلى أنه بالرغم من فرضها على المطورين إلا أن الجهات الخدمية لا تقوم بربطها مع شبكاتها أو توصيل الشبكة الرئيسية لها.
4) صدرت أخيراً أنظمة بناء (نظام الكتلة) لكي يعطي ارتفاعا أكثر على الشوارع الرئيسية وهذا شيء جيد. لكن هذا النظام به اشتراطات كثيرة منها زيادة مواقف السيارات للمكاتب والسكن بحيث يكون هناك موقف سيارة لكل مكتب مساحته 25 مترا مربعا وكذلك موقف لكل شقة حتى ولو كانت غرفة واحدة، وهذا النظام على الرغم من كون المنظمين يعتبرونه جيداً للمستثمر إلا أن المستثمر يراه عكس ذلك نظراً لأن الارتفاع يحرم المستثمر من مساحات تصل إلى 50 في المائة من المباني الأرضية التي تستخدم للأغراض التجارية بالإضافة إلى تكاليف خدمات الصيانة التي عادة ما تكون مكلفة بما فيها زيادة أعداد المصاعد.
5) تأخر إصدار نظام الرهن العقاري لما له من أهمية في التمويل العقاري وتأثير كبير في قطاع العقارات.
6) عدم تفعيل نظام التسجيل العيني للعقارات الذي صدر به مرسوم ملكي برقم م/6 وتاريخ 11/2/1423هـ لما له من أهمية في حفظ الحقوق وبيان ما يحدث على الصك من تصرفات وكذلك حصر الملكيات وسهولة ودقة نقل الملكيات والحد من النزاعات على الأراضي وكذلك اطمئنان وثقة المستثمر الوطني والأجنبي بالاستثمار في هذا القطاع.
7) تأخر تحديث وتفعيل نظام المكاتب العقارية وتصنيف المكاتب العقارية واشتراط التأهيل حسب التصنيف المطلوب.
8) عدم اعتماد النطاق العمراني الجديد للمدن لما لهذا الموضوع من أهمية قصوى للقطاع ونموه ورفع الضرر عن كثير من المواطنين الذين تضرروا جراء تأخير اعتماد النطاق العمراني الجديد والبطء في اتخاذ القرارات اللازمة لذلك ووضعها موضع التنفيذ.
9) أن قرارات وأنظمة البناء وشروط اعتماد المخططات غير سيادية لكونها تصدر من البلديات، ويستدعي الأمر إصدار نظام بناء متكامل يعرض على مجلس الشورى ويرفع للمقام السامي ويصدر به نظام يستطيع المستثمر من خلاله أن يرى شروط البناء واضحة غير تلك الاجتهادية التي تتفاوت من بلدية إلى أخرى، ويمنع الاجتهادات الفردية.
10) عدم وجود قانون صارم لحماية المستثمرين العقاريين في حالة نشوب خلاف عقاري مع أي جهة حكومية حيث يقوم المواطن عادة بالآتي:
أ - الشكوى إلى ديوان المظالم وهي لا تُقبل إلا بأمر من المقام السامي يتم بموجبه تعميد الديوان أو المحكمة الشرعية بالنظر في الدعوى، مما يطيل عمر الإجراءات.
ب- لا يزال إخراج المستأجر الذي لا يدفع الإيجار، وكذلك إخلاء المنزل من المستأجر الغائب أو فتح المحل التجاري يأخذ وقتاً أطول من الإجراءات الروتينية الطويلة، مما جعل المستثمرين يتوجهون إلى البناء بغرض البيع.
11) عدم البت في المرافق العامة أو تركها للقطاع الخاص لكي يقوم ببنائها وتأجيرها على من يحتاج إليها من الدولة أو القطاع الخاص المخصصة للغرض المخصصة له كالمدارس والمستوصفات الصحية وغيرها من مرافق الخدمات الأخرى.
12) نسبة ما يتم اقتطاعه من المخططات لزوم المرافق حسب النظام هو 33 في المائة في جميع المدن ما عدا الرياض فالنسبة ترفع اجتهاداً من الأمانة إلى 40 في المائة أو أكثر.
13) عدم السماح بزيادة الارتفاعات على الشوارع الرئيسية، وهذا سبب رئيسي لغلاء السكن وارتفاع تكلفته على المواطن والمقيم.
14) تأخر اعتماد المخططات الهندسية لمشاريع البناء، والذي يسبب تأخير صدور فسوحات البناء، حيث تمر بأكثر من لجنة في الأمانات والبلديات.
15) عدم الاستفادة من أموال المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتقاعد بالاستثمار في تمويل الشركات السعودية التي تقوم ببناء المساكن للمواطنين وكذلك بناء المرافق الحكومية المعتمدة في المخططات وذلك لمساندة صندوق التنمية العقارية بالإضافة إلى أهمية تأسيس شركات خاصة للتمويل العقاري أو إنشاء بنك عقاري ودعمهما من الدولة.
16) بطء الإجراءات القانونية في تحصيل الإيجارات المستحقة على المستأجرين مما شجع المستأجرين على المماطلة في السداد لعدة أشهر أو لسنوات عدة وذلك نتيجة لعدم تفعيل قرار مجلس الوزراء الموقر رقم (19) وتاريخ 14/1/1394هـ الذي ينظم العلاقة بين المالك والمستأجر حيث تضمنت المادة رقم (4) فقرة (1) منه "جواز إخلاء العقار من المستأجر في حالة امتناعه عن الوفاء بالأجرة عند استحقاقها أو الوفاء بشرط آخر من شروط الإيجار بعد مضي خمسة عشر يوماً على إخطاره بالوفاء".
17) لجوء بعض المستأجرين إلى التغيب وإقفال العين المؤجرة لفترة طويلة وربما لسنوات وعدم مقدرة المالك على فتح الوحدة السكنية إلا بعد إجراءات طويلة قد تصل إلى سنة كاملة، علمـاً أن معظم المستأجرين الذي تنطبق عليهم هذه الحالات إما أن يتركوا العمل بالمملكة أو سعوديون يتنقلون إلى أماكن أخرى ولا يتيسر الحصول على عناوينهم.
18) الشركات العقارية التي تملك الحكومة جزءا منها والتي أنشئت من أجل تطوير أداء القطاع العقاري عن طريق المنافسة والبدء في بناء مساكن للبيع على المواطنين أصبحت تعمل على تطوير الأراضي وبيعها ولم تعمل على بنائها وتوفير السكن.
وطالبت لولوة بن سعيدان بضرورة تكثيف الدراسة لهذه المعوقات والسعي الجاد لإيجاد حلول لها سواء على المدى القريب أو البعيد. فهذه التعقيدات التخطيطية والتنظيمية ستبقى عائقا أمام مسيرة التطوير والاستثمار العقاري ولن تساعد على جذب الاستثمارات الأجنبية بل ستجعلها تغير اتجاهها إلى الدول المجاورة التي أقل تعقيدا منا.