رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التخلص من شبابنا

تقول إحصاءاتنا الرسمية إن نصف مواطنينا هم من جيل الشباب أو في الطريق إليه، هذا يعني أننا على مدى العقدين القادمين في ورطة مع شبابنا. وأقول "ورطة" لأن ما يثار من نقاش حول ما يعانيه شبابنا من إشكالات أو ما نعانيه منهم يطرح في غالبه حلولا ومعالجات توحي بالتخلص منهم وليس بتخليصنا على أيديهم وهذا هو المهم الأهم.
البطالة والفقر والمخدرات والإرهاب وعدم القبول في الجامعات أو المعاهد والكليات أو التسرب منها هي أعراض مرض عضال في روح كياننا الاجتماعي، ونحن نتعامل مع هذه الأعراض بإدارة الظهر، على أساس أنها مكتسبة على نحو تجريدي، لا ذنب لنا فيها أو أنها نابعة من "طبيعتهم" التي لا نخجل من وصمهم بها باعتبارهم فعلا جنسا من البشر تنابلة كسال، غير جديرين بالعمل ولا تحمل المسؤوليات.
بل إننا فيما يبدو غير مدركين للخطر الداهم الذي يمثله لنا هذا الجدل المتناقض حول التغني الرومانسي بمميزات المرحلة العمرية الشابة وبين شطب صارخ لتلك الأعراض بالتقليل من شأنها مرة بالقول إن البطالة رقم متواضع وكلها تبطل ومرة بالقول إننا قد قضينا على الفقر عبر المراوغة بمصطلحات الفقر المدقع والفقر المطلق للقفز فوق الحقيقة الموجعة ومرة بالقول إن هؤلاء الإرهابيين من فتياننا هم لا يمثلون إلا فئة ضالة مغررا بها ومرة بالقول إن مدمني المخدرات ومتعاطيها أو مروجيها سقطوا في حبائل الأشرار ومرة بإلقاء اللوم على الشباب أنفسهم بأنهم لم يكونوا جادين في درسهم فحصدوا درجات دنيا لا تؤهلهم لدخول الجامعات والمعاهد والكليات أو أنهم غير مثابرين ومهملين فلم يستمروا في إكمال سنوات تعليمهم.
وقد عقد منتدى الحوار الوطني محورا خاصا بأولئك الشباب، وتمت الاستعانة بممثلين عنهم ليتحدثوا عن معاناتهم ثم جفت الأقلام والحلوق ووضعت أضابير الندوة في ملفات مع توصيات ذيلت وقائع اللقاء وما من جديد. مضيفين بذلك أقوال على أقوال وأمنيات تطوف حول أمنيات لكن مازلنا "لا طبنا ولا غدى الشر" كما يقول مثلنا الشعبي أو كما في السينما المصرية: ويبقى الحال على ما هو عليه وعلى المتضرر اللجوء للقضاء!!".
ليس من مهمة الكاتب أن يقف خطيبا أو واعظا ولا هو حين يعبر عن قلقه الاجتماعي يزعم أو يدعي أنه صاحب البصيرة والحكمة دون غيره وأن لديه الحل السحري لمعضلة معقدة كقضية شبابنا، إنما، حسبه أن يصارح ولو كان القول جارحا من أننا في مواجهتنا لإشكالات شبابنا نبدو، مع الأسف، كمن يتهرب من نعمتها في اتقاء نقمتها. هذا منظور سكوني يجعلنا نعالجها بالمسكنات والمهدئات فقط إنما لا يتجه مباشرة إلى استثمار ترسانة الطاقات التي لا تعد لها طاقة أخرى في الأرض وهي الرغبة في تحقيق الذات عن طريق العمل وملكات الخلق والإبداع والقدرة اللا محدودة على العطاء. ففي أعماق كل شاب وشابة منجم من الثروة التي لا تنضب، هي عماد وضمان ورصيد مستقبلنا، مثلما كانت وستظل على الدوام رصيد كل أمة أحسنت استثمارها حتى لو لم تكن تمتلك أي ثروة طبيعية، فاليابان مثلا، نموذج شاهق على الإعجاز البشري، فليس لديها سوى ثروة الإنسان وإلا فإنها أرض تهتز على وقع الزلازل وتربو على ثورة البراكين.
إننا نثرثر كثيرا حول الشباب، نتجاذب أطراف الأحاديث وأواسطها نشققها ونمزقها، نبدو في حالة بيزنطية مستعذبين لغط الحديث حول معاناتهم. كأننا بذلك نتخفف من إحساسنا بالذنب تجاههم، من خلال تحسيس أنفسنا بأننا مشغولين بهم، فيما قضاياهم تتعقد وتتفاقم فمهما "مرخنا" كدمة هنا أو هناك وزال الوجع حينا فالقادم أفدح!!
وإذا كانت بلادنا تعيش اليوم نموا اقتصاديا بفعل الموارد النفطية وانفتاح شهية القطاع الخاص على الاستثمار في القطاعات الخدمية والتجاريةالميسورة غير المكلفة وأشباهها فإنها نادرة هي الصناعات والتقنيات التي يتم توطينها، أما الاستنبات للجديد منها فلذلكم حديث خرافة يا أم عمرو.. لكن، ومع ذلك، فإن هذا الفضاء الاقتصادي المالي أحرى به أن يكون مجالا حيويا لخطوات إجرائية جسورة طموحة تختزل الزمن، تجب وجع المعاناة، بل (تأتي المنية من بابها) بمعنى إماتة النقمة بالنعمة من خلال ربط هذه الحشود الواعدة من شباب وشابات الوطن ببرامج إنتاجية أو خدمية نوعية تبدأ بتدريبهم وإعدادهم لها وتنتهي بتشغيلهم لها. أما كيف نفعل ذلك؟ فبالإفادة من خبرة اليابان، ماليزيا بل بريطانيا والدول المتقدمة الأخرى التي استطاعت إنجاز برامج ومشاريع صناعية وخدمية نوعية بطريقة حرق المراحل.
إن هذا التوجه ينبغي له لكي يكون ناجحا تأمين عوامل الجذب النفسي له من خلال تقديمه للشباب والشابات كمحيط عمل متميز مخدوم بمميزات تجمع بين أناقة ونظافة ورفعة بيئة العمل وبين العوائد المادية المجزية لهم كطلاب متدربين ثم كموظفين يديرون ويشغلون هذه المرافق والمواقع، فبدون إشعار الشاب بما يشبع فيه رغبته في تحقيق الذات وتحسيسه بأنه عنصر محترم مهم ماديا وعمليا ونطاق عمل فإننا لن نستطيع نزع الأختام عن مناجم جواهرهم وذهبهم المدهش.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي