رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


أزمة الملف النووي الإيراني .. ومستقبل الاقتصاد الخليجي

[email protected]

عبّر الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية في تصريحاته التي أطلقها أخيراً في باريس إلى الوفد الإعلامي السعودي المرافق لخادم الحرمين الشريفين عن أمله في أن تكلل الجهود الرامية إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط - بما فيها الخليج - من أسلحة الدمار الشامل بالنجاح، وأكد الفيصل أن المملكة قلقة بشأن البرنامج النووي الإيراني وترغب في التوصل إلى حل عبر المفاوضات والتفاهمات.
وإذا كان وزير الخارجية يشعر بالقلق إزاء التطورات التي يشهدها الملف النووي الإيراني، فإن المواطن الخليجي يشم - بين الفينة والفينة - رائحة الصدام المسلح التي تحوم حول هذا الملف، ويدرك المواطن الخليجي هول الكارثة إذا ما طغت لغة السلاح على لغة الحوار، ولذلك يتمنى المواطن الخليجي أن تتقدم الدبلوماسية خطوات إلى الأمام وتخطف هذا الملف من أيدي الصهاينة الجدد في الإدارة الأمريكية الذين يرسلون رسائل التهديد بممارسة القوة العسكرية إذا لم تستجب إيران إلى نداءات الغرب بالتوقف عن تخصيب اليورانيوم.
من ناحيتها، فإن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تنفك تصرّح بأن من حقها امتلاك الطاقة النووية للأغراض السلمية، وأنه لا توجد قوة تمنعها من ذلك، وأن القوات المسلحة الإيرانية جاهزة لمواجهة كل التهديدات الغربية، ومن ناحيته يحذر الدكتور محمد البرادعي مدير وكالة الطاقة الذرية الدول الغربية من مغبة اللجوء إلى القوة لحل إشكالية الملف النووي الإيراني.
السؤال الذي يطرحه هذا المقال هو: ما هي التكاليف التي سوف يتجشمها الاقتصاد الخليجي إذا استخدمت الولايات المتحدة - لا سمح الله - القوة المسلحة ضد إيران لثنيها عن تخصيب اليورانيوم؟
في تقديرنا أننا نتجه نحو حرب ربما لن تكون حرباً محدودة في مواقع من الأراضي الإيرانية، بل قد تتجاوز الحرب حدود الخليج، وتشمل كل منطقة الشرق الأوسط، وتعصف باتفاقية السلام العربية الإسرائيلية الهشة.
وعندئذ سيكون – بالطبع - الاقتصاد الخليجي أول ضحايا هذه الحرب التي نتمنى أن يمنع العقلاء في الولايات المتحدة وقوعها.
دعونا نتصور ماذا سيكون عليه وضع الاقتصاد الخليجي إذا قامت أمريكا بضرب مواقع معينة في أراضي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وفقًا لتصريحات الإدارة الإيرانية بدءًا من رئيس الجمهورية، فإن إيران سترد بقوة على أي ضربة عسكرية، بل إن الرئيس أحمدي نجاد قال: إن إيران ستضرب مواقع حساسة في المنطقة بدءًا بالقواعد العسكرية الأمريكية التي تقع بعضها في دول الخليج العربية حتى آبار البترول، وسيكون بالطبع من نتائج الاحتكام إلى القوة العسكرية هو توقف جزء من إنتاج آبار البترول في الخليج.
وبالطبع سيؤدي توقف تدفق جزء من إنتاج البترول الخليجي إلى انخفاض المعروض من البترول في السوق العالمي، مما يترتب عليه زيادة في أسعار البترول.
وإذا حدث ارتفاع في أسعار النفط بالذات حينما تصل الأسعار إلى أعلى معدلاتها، فإن الانعكاسات الوخيمة على الاقتصاد الخليجي وكذلك على مجمل الاقتصاد العالمي ستكون سيئة للغاية.. وفي أحسن الأحوال إذا تصورنا أن النفط سيكون متاحا للدول الصناعية الكبرى حتى ولو بأسعار عالية جدًّا فإن زيادة أسعار البترول ستنعكس على المستوى العام لأسعار جميع السلع والخدمات، وستتأثر الأسواق الخليجية من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، وستتباهظ تكاليف برامج ومشاريع التنمية .. وسيعاني الاقتصاد الخليجي من التضخم النقدي الذي سيرفع تكاليف التنمية إلى أعلى معدلاتها.
ولا شك أن ذلك سيؤثر سلبًا في دخول الأفراد في دول الخليج ويخفض من معدلات الرفاهية التي عليها هذه المجتمعات، بل لنقل ستتوقف برامج التنمية إذا ما استمرت الصدامات العسكرية لفترة أطول من المتوقع، وستنهدم الكثير من المشاريع التي تم تنفيذها.
ولا نستطيع أن نقول إلى أي مستوى سعري سيصل البترول، ولكن نستطيع أن نقول إن أسعار البترول ستتزايد تزايدًا طرديًّا مع استمرار الضربات العسكرية الأمريكية والضربات العسكرية الإيرانية المضادة.
وإذا حدثت تطورات إلى الأسوأ - لا سمح الله - فإن الوضع في الخليج يتجه إلى حرب لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى، وستدفع اقتصاديات دول الخليج ثمن هذه الحرب وإن الاقتصاد العالمي سيتجه إلى أزمة عالمية إذا لم يتدارك العقلاء هذه الأزمة ويتوصلوا إلى حلول سلمية وهي في مهدها.
ويعرف الجميع أنه لا يوجد في الحروب كاسب أو خاسر، بل إن الجميع سيخسر بالذات الولايات المتحدة التي ستضع - بإشعالها لهذه الحرب - آخر مسمار في نعش إمبراطوريتها المترنحة.
ولا شك أن الدول الصناعية تعرف فاتورة أي صدام مسلح في منطقة الخليج، ولذلك نلاحظ أن الاتحاد الأوروبي يسعى جاهدًا إلى ثني الولايات المتحدة عن استخدام القوة العسكرية، ومن ناحيتها فإن إيران إذا ركبت رأسها فإنها ستمنى بكارثة اقتصادية تحتاج إلى عشرات السنين حتى تعود إلى المستوى الاقتصادي التي هي عليه اليوم.
والأهم من كل هذا ما ذنب دول الخليج العربي في هذا الصراع الإقليمي الذي لا يتناول ملف الطاقة النووية الإيرانية فحسب، وإنما يتضمن في طياته العديد من الملفات وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي وغزو العراق والوضع في لبنان وفلسطين.
إن الحكومات في دول الخليج تقدر تمامًا أن النتائج الخطيرة التي ستعود عليها إذا ما اتجهت أمريكا إلى استخدام القوة المسلحة مع إيران، ولذلك فإن القرارات التي تصدرها القمم الخليجية قرارات تتسم بالعقلانية والموضوعية، وهي دائمًا تناشد وتطالب الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة بضبط النفس وتحكيم العقل وإنهاء الخلافات عبر المفاوضات السلمية.
وإذا رجعنا إلى تصريحات كل المسؤولين في الإدارة السعودية، بدءًا بتصريحات خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، نجد أنه لم يتوان عن مطالبة الدولتين بالجلوس إلى مائدة التفاوض للتوصل إلى حلول سلمية تقي المنطقة وشعوبها من كارثة يدفع ثمنها الجميع.
إن اقتصاديات دول الخليج في هذه المرحلة تقف على مشارف الوصول إلى مستويات اقتصادية تتوازى مع الكثير من دول أوروبا، وستتقدم الاقتصادات الخليجية إذا ما استمرت معدلات النمو على حالها في السنوات القليلة المقبلة لتصل إلى مستويات لا تقل عن دول النمور الآسيوية.
ولذلك فإن الحرب إذا اشتعلت في الخليج - لا سمح الله - فإنها ستسحب رصيدًا هائلاً من التقدم الاقتصادي الخليجي، وستحرم دول الخليج من فرصة ربما لن تتكرر في المستقبل، ولذلك عبر الأمير سعود الفيصل في حديثه إلى الإعلام السعودي عن أمنيته في إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل وبالذات منطقة الخليج.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي