رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


في تحديات الإدارة المحلية

[email protected]

نظم مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية الأسبوع الماضي تحت رعاية الأمير الدكتور عبد العزيز بن محمد آل عياف، أمين منطقة الرياض ورئيس أمناء جامعة الأمير سلطان ومؤسس المركز، حلقة نقاش بعنوان "تحديات الإدارة المحلية". الحلقة التي تأتي ضمن سلسلة من حلقات النقاش التي ينوي المركز تنظيمها كجزء من برنامجة التثقيفي، حضرها لفيف من المهتمين والمختصين منهم الأفاضل أعضاء المجلس البلدي لمنطقة الرياض ونخبة من أساتذة الجامعات ورجال أعمال وإعلاميون، أثروا النقاش بمداخلاتهم وأسئلتهم، ودل حضورهم المكثف على أهمية الإدارة المحلية. لقد كانت حلقة النقاش فرصة لتبادل الآراء وتصحيح المفاهيم وتوضيح الفرص والعوائق التي تعتري العمل الحكومي المحلي.
أن التحدي الذي تواجهه الإدارة المحلية في المقام الأول هو كونها إدارة حكومية وما يتبع ذلك من أن عملية صنع قراراتها أكثر تعقيدا وصعوبة مقارنة بالقطاع الخاص. فالقطاع العام ليس لديه الخاصية التي يتمتع بها القطاع الخاص مثل سعر السلع والربحية كمؤشرات واضحة لتحديد قرار الإنتاج ونوعيته وبالتالي التمكن من قياس الأداء. ولذا فإن قيمتي الكفاءة والفاعلية في القطاع العام تتداخل فيهما الجوانب الاجتماعية والسياسية ولا تكون مرتكزة فقط على الجانب الاقتصادي. ومما يزيد من تعقيد صنع القرار الحكومي عدم الربط بين التمويل والمنافع، فالعلاقة غير مباشرة على عكس السوق، فعندما يشتري المستهلك سلعة فإنه يحصل على المنفعة مباشرة لحظة دفعه السعر المطلوب، بينما لا يحدث ذلك في الخدمات العامة. سمة أخرى في عملية صنع القرار المحلي تجعله أكثر تعقيدا، وهي أن القرار الحكومي يعم الجميع ويعامل جميع الأفراد بالتساوي، ولا ينظر إلى حال التفاوت في التفصيلات والأذواق بين الأفراد، لذا يصبح من شبه المستحيل تلبية رغبات جميع الأفراد في المجتمع بالمستوى نفسه من الرضا. وعند محاولة التوفيق بين الأذواق المتفاوتة يضطر إلى خفض مستوى تعظيم المنفعة عند جميع الأطراف. على سبيل المثال لو كان هناك قرار لتحديد استخدام أرض عامة نجد أن البعض يفضلها حديقة، والبعض الآخر من الشباب يفضلها ملعب كرة قدم ومتى ما تم إقرار أحدهما فإن على الجميع تقبل القرار. ولذا لم يكن مستغربا وفي جميع دول العالم إلا يكون هناك رضا تام عن الخدمات الحكومية، والسبب أن القطاع العام يعجز عن تلبية الاحتياجات التي يطلبها الأفراد كما ونوعا وتوقيتا وجودة وتكلفة. وأمر آخر يجب ألا يغفل في هذا الصدد وهو الاعتماد على التنظيمات البيروقراطية التي تتصف بالبطء والجمود وتعتمد في عملية صنع القرار على الإجراءات الداخلية وليس الرأي العام المحلي. من هنا كان البحث دائما عن وسائل وطرق جديدة لتحسين أداء القطاع العام، تارة بتقليص دور القطاع العام في الاقتصاد بتبني منهج الخصخصة وتحويل المؤسسات العامة إلى شبه خاصة أو عبر التعاقد مع شركات خاصة لتنفيذ المشاريع العامة، وتارة أخرى بتطبيق اللامركزية أو التخفيف من المركزية بمنح الإدارات المحلية صلاحيات إدارية ومالية تمكنها من عملية صنع القرار المحلي والاستجابة للمتطلبات الاجتماعية بشكل فاعل مقارنة بالأجهزة المركزية.
لقد أدرك الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ كما ذكر الدكتور عبد العزيز بن عياف في معرض حديثه عن الإدارة المحلية وأهمية توسيع الصلاحيات لأداء المهام الموكلة وإنجاز الأهداف، في مرحلة التأسيس منح صلاحيات كاملة لأمراء المناطق استنادا إلى فلسفة ورؤية واضحة تلخصها مقولة "يرى الحاضر ما لا يرى الغائب". يرحمك الله أبا تركي فقد كنت نافذ البصيرة قائدا فذا وسياسيا محنكا يتمتع بالحكمة والتؤدة والواقعية وشخصية قوية لا تهاب التفويض ومنح الثقة. لقد كان ـ رحمه الله ـ يرى في أن العبرة بالنتائج وأنه من أجل المطالبة بالنتائج والأداء المميز والمساءلة كان لا بد أن يكون هناك تساو بين المسؤولية والصلاحيات. إن عدم منح الصلاحيات المطلوبة لأداء الأدوار المطلوبة يعطل العمل ويقلل من المسؤولية ويؤدي إلى التراخي واللامبالاة.
من بين أهم التحديات التي تواجه الإدارة المحلية عدم وجود هيئة محلية مسؤولة عن شؤون المدينة بجميع قطاعاتها. إن واقع الإدارة المحلية ينبئ عن حالة من التشرذم وتداخل صلاحيات عدة وحدات إدارية في العمل المحلي، فهناك المجلس البلدي والمجلس المحلي ومجلس المنطقة وفروع الوزارات وهيئات التطوير، مع غياب للتنظيمات والقوانين التي تحدد أدوار ومهام كل منها وعلاقتها بالأخرى لضمان الانسجام والتناغم. لقد استحوذ الجانب القانوني على معظم المداخلات التي شهدتها حلقة النقاش وكان هناك شبه إجماع على أنه يلزم دراسة الوضع القائم واقتراح نموذج للإدارة المحلية يحقق معايير الكفاءة والفاعلية، يطبق على مراحل وبشكل تدريجي. هناك الكثيرون ممن يرون أن الاستقلال المالي للوحدة الإدارية هو جوهر استقلالية القرار المحلي والمحك الرئيس في التحول إلى إدارة محلية قادرة على القيام بمسؤولياتها تجاه المجتمع المحلي وأداء دورها المطلوب وتحقيق مصالح السكان بفاعلية وكفاءة. وهو رأي يتفق معه الكثيرون ولكن ينبغي وبشكل متواز بناء القدرات المحلية بما في ذلك مهارات القيادة وصنع القرار ووضع الاستراتيجيات والارتقاء بالتنظيمات الإدارية. ودون أن يكون هناك قدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة ستكون القرارات المالية خاطئة ومكلفة وسلبية، تماما كمنح شخص غير ناضج مسؤوليات كبيرة لا يستطيعها.
لقد أشار أكثر المشاركين إلى أن هناك حاجة ماسة إلى إعادة تعريف مفهوم الإدارة المحلية مبني على التطلعات والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية، وضرورة الاستجابة للمتغيرات والتكيف معها وفي الوقت ذاته الأخذ في الحسبان الثوابت الوطنية والقيم والأعراف الاجتماعية. إن متغير السكان مثال لضرورة إدراك هذه الحقيقة والعمل على احتوائها بتصميم نظم جديدة تراعي هذه التغيرات، على سبيل المثال يتوقع أن يبلغ عدد سكان المملكة عام 2020م ما يقارب 40 مليون نسمة سيعيش 88 في المائة منهم في المدن. هذا يعني أنه سيكون لدينا كثافة سكانية عالية في المدن وما يتبع ذلك من مشكلات اجتماعية واقتصادية وعمرانية وأمنية تستوجب البحث عن وسائل جديدة لإدارة المجتمعات المحلية. إن اللامركزية لا تعني بأي حال من الأحوال التقليل من سلطة الأجهزة المركزية وضعف التحكم والسيطرة، بل على العكس تماما، فالتفويض أو نقل السلطات يسهم في تقليل نطاق الإشراف أي العدد الذي يمكن إدارته بكفاءة، وبالتالي بدلا من أن تكون الأجهزة المركزية مسؤولة عن جميع السكان مسؤولية مباشرة يصعب معها إدراك متطلباتهم ومعالجة مشكلاتهم، سيكون من الأفضل تحكما وانضباطا أن تكون هناك إدارات إقليمية ومحلية ترعى مصالح المجتمعات المحلية وتكون مسؤولة عنها. فالمشاكل المحلية تحتاج إلى معالجات محلية، لكن هنا يبدر التساؤل: أليس هناك حاليا مجالس مناطق ومجالس بلديات ومجالس محلية؟ والجواب نعم، لكنها منزوعة الصلاحيات الإدارية والمالية، مسؤولياتها غير واضحة، تتداخل مع مسؤوليات إدارات أخرى تصل في بعض الأحيان إلى حد التضارب!
لقد حان الوقت لأخذ الإدارة المحلية محمل الجد وأنها وسيلة للضبط والسلم الاجتماعي وآلية فاعلة للتحكم ومواجهة المتغيرات، ولا يكفي إيجاد وحدات تنظيمية شكلية، بل الأهم أن تكون هناك هيئات محلية مستقلة واضحة الأدوار والصلاحيات تمنح من خلال القانون العام وليس على أساس قرارات بيروقراطية. من هنا كان الاقتراح باستصدار نظام للإدارة المحلية شاملا يوضح بالتفصيل كيفية إنشاء الوحدة المحلية وهيكلها وحجم السلطة وإجراءات صنع القرار وحدود صلاحياتها المالية والإدارية ونطاق إشرافها المكاني القانوني وليس العمراني وعلاقتها بالوحدات المحلية والإقليمية الأخرى. ما نحتاج إليه هو تبسيط للوضع القائم في تحديد هيئات محلية وإقليمية بحيث يكون كل مستوى مسؤول عن مسائل وقضايا محددة تتفق مع البعد المكاني. بطبيعة الحال يكون إنشاء وعمل هذه الهيئات خاضعا على الدوام لرقابة وإشراف السلطة المركزية. ويقترح كتنظيم أن يكون في كل مدينة مجلس بلدي كسلطة تشريعية ومجلس محلي كسلطة تنفيذية ينفذ توجيهات المجلس البلدي، وهكذا تتحدد الأدوار وتتضح الصورة ويكون الجميع على بينة من الأمر. ونافلة القول أن الإدارة المحلية متى ما تحولت من فروع للوزارات إلى هيئة محلية واحدة ومنحت الصلاحيات اللازمة ستكون قادرة على معالجة القضايا المحلية مثل التنمية المحلية والفقر والجريمة والتلوث البيئي والمخدرات لأنها تحدث داخل المدن والقرى ولا يمكن معالجتها مركزيا بعيدا عن الحدث.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي