فشل الصناديق الاستثمارية.. استسلام أم تعمد؟
في السوق المالية السعودية هناك دعوة مستمرة للتحول إلى الاستثمار المؤسسي بدلا من استثمار الأفراد، وهذا مبني على فرضية أن الاستثمار المؤسسي له فوائد تفوق الاستثمار الفردي وخاصة أنه يصنع السوق ويجنب المستثمرين والسوق تكبد خسائر يمكن تفاديها. ولكن هل يوجد دليل على أن الاستثمار المؤسسي فعلا يحقق هذه الفرضية وأنه الأجدى والأكثر تأثيرا في السوق السعودية، هل يوجد دليل على أنه الوسيلة الأفضل لحماية أموال المستثمرين والبديل المناسب لإدارتها بدلا عن التخبط الأعمى في السوق. الحقيقية أن إيجاد مثل هذا الدليل في السوق السعودية أمر صعب للغاية، فمن الواضح أن أداء أي شخص عادي يعد أفضل بكثير من أداء الصناديق الاستثمارية، بل إن الشخص العادي يستطيع أن يسترد أمواله في أي لحظة وهي ميزة لا تتوافر للصناديق، أستطيع أن أشترى بجزء وأحتفظ بالباقي لاقتناص الفرص ومنها الاكتتابات وهذه الميزة لن تتوافر إذا وضعت أموالي في صندوق استثماري، ثم أنا أعرف يقينا أين أضع استثماراتي، بينما لا أعرف شيئا عن ذلك المدعو صندوقا، وأخيرا أنا أتعامل مع نفسي باحترام بينما أستجديهم، فلماذا أستثمر معهم وأعطيهم أموالي، ليسرقوها! هذه الادعاءات أرسلت على بريدي ممن لا يؤيد المشاركة في الصناديق الاستثمارية فكيف أرد عليه؟
حتى الآن لم تقدم الصناديق الاستثمارية ما يشفع أو يعين على الدفاع عنها. كنت أحث من حولي على المشاركة في الصناديق الاستثمارية وقلت، وكانت السوق مزدهرة وقتئذ، ماذا لو انهارت السوق؟ كيف تستطيع أن تحافظ وتنمي رأس مالك بأمان؟ كيف تستطيع أن تعرف وتقتنص الفرص، أنت بحاجة إلى خبير متخصص في السوق يقوم نيابة عنك بكل ذلك، والآن هل يبدو أنني كنت أقول الحقيقية؟ هل يبدو أنني نصحت أم تسببت لهم في الخسارة؟ إن أي مستثمر بنفسه كان يمكنه الخروج من السوق قبل الانهيار وأثنائه بسهولة، بينما لم يتمكن معظم من تورطوا في الصناديق الاستثمارية إلا بإجراءات وعمليات تسعير أخذت من أعصاب المستثمر أكثر مما أخذت السوق، فهل هي فعلا تحافظ على الأموال؟ إن من يمتلك مهارات بسيطة في التحليل الفني كان يمكنه الفوز ببعض الفرص والنجاة من الأخطار، فهل فاز بها من بقي مع الصناديق، إن خيبة الأمل في الصناديق الاستثمارية السعودية أكبر بكثير من حصرها في مجرد مقال أو كلمات.
ومع ذلك فلو أن المسالة مجرد خيبة أمل لهان الأمر، ولو أن القصة تشبه المثل القائل (أعمى وقائدة خبل) لهان الأمر، ولكن القضية تبدو أكبر من مجرد قصة فشل، بل تعمده وتعمد إتلاف أموال الناس. فكيف فشلت تلك الصناديق في قراءة نهج السوق، فلم تستطع أن تخفف من حدة ارتفاع الأسعار مع نهاية عام 2005 وبداية 2006؟ ولماذا لم تقم بموجات جني أرباح قوية لتخفف حمولتها من الأسهم وتجنب المستثمرين معها الخسائر التي بدأت تلوح في الأفق؟ كيف وقد نبهت هيئة السوق المالية إلى خطورة الأمر، كيف وقد حذر أكثر من محلل وخبير إلى صعوبة الوضع؟ ثم وقد أساءوا التقدير - جميعهم وبلا استثناء ـ ووقعوا في خطأ السذاجة، كيف لم يتداركوا الأمر خلال موجات التصحيح المتتالية؟ إن مراجعة بسيطة لأداء هذه الصناديق تشير إلى أنها كانت مستسلمة لاتجاه السوق وكأنها مغلوبة على أمرها، بل إن أداء بعضها أسوأ من أداء السوق، فهل وراء الأكمة ما وراءها؟
إن التأمل في حركة أسعار الوحدات لهذه الصناديق وتذبذب قيم صافي الأصول، وطريقة الاسترداد تشير إلى أنها لا تمتلك أية أدوات استثمارية حقيقية، فكل ما يتم جمعه من أموال المستثمرين يتم ضخه إلى السوق مباشرة مع الاحتفاظ ببعض النقد البسيط لمواجهة المصروفات المتعلقة بالمكافآت وغيرها، بخلاف ذلك فيبدو أنها لا تقوم بأي عمليات مضاربة وجني أرباح أبدا، ولا استغلال لنقاط الدعم والمقاومة، وكأن هذه مهمة المستثمر وليس مهمة الصندوق، بمعنى أن الصندوق يوزع المبالغ التي يحصل عليها على عدد معين من الأسهم وبنسب معينة، ثم عليك مراقبة سعر الوحدة، فإذا تحقق ارتفاع في السعر فعليك أن تقوم بجني ربحك لكن ذلك ليس من مهام الصندوق أبدا، أما إذا تغير اتجاه السوق وبدأ سعر الوحدة بالتراجع فلا تلومن إلا نفسك لأن مدير الصندوق لا يقوم بأي عملية جني أرباح أو ما يشابه ذلك ـ فهل هذا طبيعي؟ هل هذا هو ما يحكم عمل الصناديق الاستثمارية؟ هل هذه هي المحافظة على رأس المال وتنميته؟
من هنا أعتقد أن إدارة الصندوق لا تحتاج إلى خبرات و شهادات وتخصص، وتحليل فني وأساسي ومتابعة للأخبار، فيبدو أن موظفي الصندوق لا يستطيعون اتخاذ أي قرار بهذا الشأن، بل ينحصر دورهم في تنفيذ قرارات المستثمرين من خلال القيام بعملية الاسترداد فقط وذلك ببيع ما يوازي حصصهم لا أقل ولا أكثر، ولكن أن تتم إدارة الصندوق على شكل محفظة استثمارية يوازن فيها بين النقد لمواجهة طلبات الاسترداد والعملية الاستثمارية لتحقيق المكاسب للعملاء فذلك أمر مشكوك فيه، وهذه النتيجة يمكن قراءتها من تصرفات الصناديق وأدائها. قد تجد بعض التبرير إذا كانت المسألة التزاما قانونيا يفرضه البنك (مدير الصندوق) على العاملين لتنفيذ برامج مراقبة داخلية معينة، ولكن أن تستخدم هذه الصناديق لإنقاذ محافظ البنك التجارية أو إرضاء عملاء لهم أهمية نسبية فتلك كبرى المصائب ولاشك، فبمراجعة أداء أحد الصناديق تجد تذبذبا لا يمكن تبريره أبدا، فثلاثة أيام فقط كانت تكفى لأن يرتد سعر الوحدة إلى مستوى مربح ثم يعود أداء الصندوق إلى الاتجاه السالب كما كان قبل هذه الأيام الثلاثة، فلماذا؟ وهل للاختراقات التي نسمع عنها لنظام "تداول" في خارج وقت السوق علاقة بمثل هذه التصرفات؟ كيف استطاعت المحافظ التجارية للبنوك أن تحقق أرباحا وتقوم بجني حاد قبل أزمة (فبراير – مارس) 2006 ولم تقم بذلك وهي تدير أموال البسطاء؟
المشكلة أن هذه الصناديق فعلا صناديق، فنحن لا نعرف عنها إلا القليل، فعلى رغم أن لائحة الصناديق قد أشارت إلى التقارير المالية التي يجب أن تنشرها هذه الصناديق إلا أنها مرت فترة على إقرار هذه اللائحة ولم نسمع أو نطلع على شيء منها، لقد حققت اللائحة تطورا هائلا باتجاه فتح أسرار هذه الصناديق ولكنه تطور على الورق فحسب، فلماذا لا يتم اتخاذ خطوات أكبر تجاه ذلك فكما هي الشركات المؤثرة في السوق بعدم نشر قوائمها كذلك الصندوق، فإذا لم ينشر قوائمه ـ وفقا لما أقرته اللائحة طبعا - يجب إيقافه فورا، وكما أحلنا بعض الشركات لقرارات الإفلاس فلنحل عددا من الصناديق لذلك، كما منعنا عددا من مشغلي الأموال لعدم التزامهم بالنظام فلنوقف هذه الصناديق حماية لأموال الناس، لماذا لا يصدر تصنيف لهذه الصناديق وفقا لحجم المخاطر المترتبة على القيام بالتزاماتها القانونية، مستوى الخبرات المتوافرة لديها، تاريخها في تجنب الخسائر، سرعة الاسترداد وخلافه من الطرق التي تهم المواطن في هذه الصناديق.
أنا أؤمن بقوة قطاع البنوك لدينا وبقوة رجال الأعمال القائمين عليه وقدرتهم على تجميد القرار، ولكني أؤمن أيضا بقوة النظام وقدرات القائمين عليه على إحقاق الحق وتنفيذ أحكامه على الجميع فإن الله ينزع بالسلطان مالا ينزعه بالقرآن، فلعل في قادم الأيام خيرا.