سوق المال السعودي ماركة مسجلة!!!
بعد ذكرى انهيار سوق المال السعودي أو تصحيحية القوي حيث لم تعد التسميات تهم كثيرا فالتجربة مرت بنا بغض النظر عن تسميتها، وخلالها تغيرت الكثير من الأمور وصححت الكثير من المسلمات وأصبحنا أولاد اليوم وغدا وليس الأمس، ولم تعد تُهم تلك الأيام التي اختلفنا فيها كالسقوط نفسه أكان مدبرا أو هو منطقي بسبب الفقاعة؟ هل هناك تضخم في الأصول أم مؤامرة حيكت؟ لم يعد مجديا رمي الكرة في ملاعب الآخرين وتحميل المشكلة لأشخاص أو شركات أو..... رغم أن كل ما مضى والاقتصاد السعودي "الكلي" يعيش أفضل حالاته التي فيها من الإيجابيات أكثر من السلبيات والمحصلة النهاية أن الإصلاح تم في أجزاء كثيرة منه وأصبح اقتصادا مؤسساتيا بامتياز له من الهيكلية الواضحة ما يساعد على العمل والبناء التراكمي بكل ما تحمله الكلمات من معان في هذا السياق! كذلك لم يعد هناك تناقض واضح كما كان في الأيام السابقة بين إستراتيجيات بعض الهيئات والوزارات فقد أصبح ذلك من التاريخ الذي يورد على سبيل المزاح وحديث الأيام الخوالي.
لقد تم الانتهاء من معظم القطاعات التي أعلن تخصيصها في سنوات سابقة وهي نحو عشرين قطاعاً كانت مرشحة للتخصيص بطريقة غيرت شكل الاقتصاد السعودي، وأبرز تلك القطاعات صناديق التمويل الحكومية، التي حولت إلى بنوك متخصصة تعمل وفق مفهوم الأعمال المتقدمة وكذلك جزء بسيط من قطاع النفط، فقط تم تخصيص 10 في المائة من شركة أرامكو والكثير من الشركات التابعة لها. ولم يعد هناك في يد الدولة إلا هم إدارة الاقتصاد والرقابة عليه من خلال مؤسساتها وهيئاتها المعنية كل في قطاعه إشرافاً ورقابة في انسيابية وتنسيق واضحين، وهو الأمر الذي وفر على الدولة المليارات التي كانت تهدر في إدارة بسبب البيروقراطية التي اختلفت الأرقام حول تكلفتها، فهيئة الاستثمار تقول إنها تكلف الاقتصاد 16 مليار ريال والإعلام يقول 60 مليار ريال! وطبعا هناك فرق بين إدارة الاقتصاد من خلال ممارسة سيادة الدولة وفرض النظام وبين أن تكون الدولة المشغلة للاقتصاد والمتحملة تبعات هذا التشغيل.
بسبب الإصلاحات الهيكلية في سوق المال الواضحة وضبط عمليات التداول بشكل عادل خال من الغش والتدليس والتلاعب بمدخرات المواطنين أصبح بإمكان أي مستثمر الآن الاطلاع على كامل معلومات المستثمرين في الشركات ومعرفة نسب الملكية والتغيرات التي تحدث في تلك النسب، ولم يعد هناك صندوق أسود أو صناديق سوداء، كذلك أصبحت الشركات مجبرة وبشكل كامل على تزويد السوق بكامل المعلومات الخاصة بها وباستراتيجياتها للسنوات الخمس القادمة بشكل دوري وشفاف وبالتالي أصبح أمر ارتباط حركة الأسعار بمؤشرات الشركات ونتائجها وأيضا بالمؤشرات الكلية للاقتصاد السعودي ممكنا وطبيعياً، مما يعني ببساطة أنه لم يعد هناك إمكانية لاستفادة المضاربين المسيطرين على السوق بسبب أن مستويات الإفصاح منعت إمكانية الاستئثار بالمعلومات للمقربين وذوي الحظوة.
بعد الانضمام لمنظمة التجارة العالمية والسماح فور التوقيع حسب بنود الاتفاقية بدخول مستثمرين في قطاع الخدمات المالية 60 في المائة، أثبت المستثمر المحلي قدرته على المنافسة مع الأسماء الأجنبية، التي دخلت السوق بتاريخ طويل من النجاحات العالمية ولكنها لم تستطع المنافسة بسبب مهارة أبناء الوطن ومعرفتهم ببيئة الاستثمار المحلية حيث تعددت قنوات الاستثمار وطُورت منتجات عديدة تناسب المتطلبات المحلية من فهم محلي للاحتياجات تساعد الجميع على تحقيق الذات لكل مواطن، ولم يعد لدينا أسهم وعقار أو عقار وأسهم فقط ولفئة محددة من المستثمرين وبشكل محلي بحت.
أصبح لدينا خمسة عشر قطاعاً مصنفا داخل سوق المال وليس ثمانية كما كانت عليه الحال في 2006م وبالتالي نستطيع تحليل الشركات ونتائجها المالية ومقارنتها بحركة القطاع الذي تعمل فيه، وأصبحت حركة المؤشر مفهومة للمتخصصين وللعامة بحكم الشفافية شبه الكاملة، التي أصبحت تتمتع بها السوق المالية، وتحولت الشموع اليابانية إلى شموع أصبحت تعرف عالمياً بالشموع السعودية المطورة.
بلغ عدد الشركات المدرجة في السوقين (الأول والثانوي) أكثر من 250 شركة مساهمة برؤوس أموال تراوح بين 300 مليار ريال و500 مليار ريال حسب الطريقة التي تنظر بها إلى السوق (رأس المال المطروح للتداول أو الأساسي)، مما يعني أن متوسط رؤوس المال في حدود 1.2 مليار ريال إلى 2.0 مليار ريال لكل شركة رغم أن لدينا شركات يتجاوز رأسمالها أكثر من 60 مليار ريال منح العامة 5 في المائة منها بعلاوة إصدار، وشركات رأسمالها 40 مليونا فقط!
أصبح عدد كبير من الشركات المحلية يتم تداول أسهمها في جميع دول الخليج وفي عدد من الأسواق العالمية وكذلك العديد من الشركات العالمية أصبح يتم تداول أسهمها في السوق السعودي والذي لديه الآن القدرة والكفاءة على التعامل مع التداخل بين الأسواق الإقليمية والمحلية والتداول المتبادل لأسهم الشركات.
صناع السوق Market Makers أصبحوا يعملون وفق ضوابط محددة لهم وذلك نتيجة تعدد أنواعهم ومسؤولياتهم حيث يعملون وفق قواعد شفافة واضحة تماماً تساعد الجميع على ضبط الأمور بمسؤولية كاملة وبالتالي هُمش دور المضاربين الانتهازيين وقدرتهم على التأثير في السوق كما كانت في الأيام السابقة قبل خمس سنوات، ولم يعد لهم سيطرة مطلقة على حركة المؤشر رغم كل حقائق السوق والاقتصاد. كما أن صندوق التوازن أصبح يحقق أرباحا جيدة بحكم الاستفادة من تجربة التراجع التي حدثت في 2006م وشراؤه الأسهم بأسعار جيدة وهي الآن تحقق عوائد ممتازة لهذا الصندوق الذي يعمل وفق أهداف استراتيجية للدولة. وهو الأمر الذي ساعد على ربط حركة سوق المال بحركة الاقتصاد وخلق التناغم الذي كان مفقوداً حتى عهد قريب.
بعد مرور سنوات لم تستطع شركة مثل بيشة وأنعام وأكثر من خمس شركات أخرى بعد توقيفها العودة للسوق بسبب عدم قدرتها على تحقيق معدلات النمو المطلوبة وثبات هيئة سوق المال على موقفها الرافض عودة مثل تلك الشركات إلى سوق المال بهدف حماية المستثمرين وسمعة السوق العالمية كما هي أهداف الهيئة.
أصبح لدينا إعلام اقتصادي متخصص يعرف تفاصيل وحقيقة تركيبة السوق ويتحدث ويكتب من خلال تلك الحقائق وليس من خلال ملاحظات المحللين فقط "الشخصية". كما أصبح الإعلاميون يعون ما يكتبونه وما يقولونه عبر الإعلام سواء كان مكتوبا أو مسموعا أو مشاهدا، وبالتالي اختفت ظاهرة تحليل السوق كيفما اتفق وأصبح هناك مسؤولية على الوسيلة الإعلامية وعلى الذين يكتبون أو يتحدثون عبر تلك الوسائل. التخصص مسألة أصبحت من البديهيات والمسلمات.
وفي غمرة هذا الاستعراض الجميل والحالة التي عشتها عن سوق المال وما حوله، وإذا بابني "عبودي" ينادي بأعلى صوته برفع صوت التلفزيون لأن فيلم "سوبرمان" قد بدأ ويريد أن يسمع ويشاهد الأعمال الخارقة التي يقوم بها هذا "السوبرمان"، وعندما أفقت من ذلك الحلم وإذا أنا ما أزال في عام 2007م، وما نزال يوماً بعد يوم نؤكد "خصوصيتنا" حتى في أسواق المال!