رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


صديقي وأمريكا

عندما كانت أمريكا تقوم بالتحضير لغزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين، كان جمهور من المثقفين العرب والمجرورين إليهم بالإضافة أو المؤلفة قلوبهم بصدق مزاعم أمريكا في نشر الديمقراطية، كان أولئك كلهم يراهنون على أن العم سام سوف يجعل فعلا شمس الديمقراطية وأقمار حقوق الإنسان ونجوم الحرية تملأ كبد سماء العراق.
صاحبي، وأمثاله ليسوا بالقليلين، كان يقول بحماس لا تحتمله حتى حنجرة رامسفيلد ولا حنجرة وولفويتز أو غيره من زمرة اليمين المتطرف الذين أحاطوا ببوش ستذهب عبودية صدام، سجونه، طغيانه سرقته ونهبه لثروات العراق وستقوم أمريكا بترتيب البيت العراقي بديمقراطية تضمن حرية شعبه وعلاقات مصالح متبادلة معها ومع العالم.
قلت: زوال نظام صدام عيد، لكن أمريكا ليست معنية بشعب العراق ولا غيره.. أمريكا مقودة برائحة النفط وحيازة استراتيجية المكان.. هي جاءت لكي تبقى ولن ترحل.
قال صاحبي: أنت مسكون بحس المؤامرة.. وتكره أمريكا!!
قلت: لقد عشت فترة في أمريكا هي من أجمل سنوات العمر، الأمريكيون شعب طيب، ودود، سريع التواصل، وأمريكا بلد مدهش ومثير تقنياً، علمياً وحضارياً، لكن السياسة الأمريكية هي ما نكرهه منها، خصوصاً منذ جاء دبليو بوش ومتطرفوه، أما المؤامرة فلا أراها إلا جزءا من سياق الأحداث! كل الحروب عبر التاريخ كان فيها شيء منها، وأحيانا قامت بسببها.
مر من الزمن خمسة أعوام. أصبحت فيها أرض الرافدين مضغة سائغة للإرهاب والقتل الوحشي والتفجير والتدمير والسطو وانشبت أصابع هولاكو أظفارها في أحداق الرشيد وزبيدة، وأحفادهما وداس المارينز بجزماتهم على رأس المعتصم، حشوا فم أبي تمام بالديناميت.. ثم استبدلوا أزلامهم خلف سياج المنطقة الخضراء بأزلام (عالم مترف وسط بحر من الشقاء) وما زالت طاحونة الرعب تأكل الأخضر واليابس، تهدد بسحق ألواح حمورابي وملحمة جلجامش وجداريات جواد سليم ومواويل ناظم الغزالي.. كل شيء إلى الجحيم إلا "النفط" محروس بأهداب عيون تقنية لا تطرف عنه قط لحظة واحدة.
هكذا قلت لصاحبي.. قال: وما تريد من الأمريكيين أن يفعلوا ما دام العراقيون متخلفين، إما شراذم من الصداميين وإما من عصابات القاعدة وغيرهم من ملل ونحل السنة والشيعة.
قلت لصاحبي: وأين ترتيب البيت العراقي الذي تحدثت عنه؟ ثم لو افترضنا جدلا أن الأمر كذلك وأن أهل العراق ليسوا أهلا للديمقراطية والحرية، أما كان على أمريكا بعلمها ومراكز بحوثها أن تدرك هذه الحقيقة، فتجنب نفسها مغبة جرجرة عسكرها وعتادها الهائل وتتكبد مليارات الدولارات ونحو 3600 قتيل وقرابة 30 ألف جريح تواريهم بعيدا في مستشفيات أوروبا؟!
قال صاحبي: أنت تستخدم النتائج السيئة لإدانة النيات الحسنة.. لأن أمريكا فعلا لم تتوقع جزاء سنمار على دورها في إزاحة الطاغية.
قلت لصاحبي: كنت قد قلت لك قبل الغزو بئس أمة أو شعب مصيره بيد غيره، تعليقا على إيمانك بأن أمريكا فعلا ستحرر العراق من ويلاته.. علما بأن الاستشهاد بسنمار هنا في غير محله.. لأن أحدا لم يطلب من أمريكا أن تتولى مهمة "تحرير العراق باحتلاله" بل لقد حذرها مفكرون وساسة عمالقة، منهم على سبيل المثال "بريما كوف" آخر وزير خارجية للاتحاد السوفياتي البائد، فقد حذرها من أن حرب فيتنام وهزيمة أمريكا المذلة فيها ستكون بمثابة نزهة مقارنة بما لو أقدمت أمريكا على غزو العراق. لكن الغطرسة الأمريكية لا آذان لها وقلبها في صمم أيضا.. فلو كانت تمتلك شيئا من البصيرة لكان عليها التقاط ردة الفعل العراقي من أول أيام الغزو، وكان بإمكانها، أن تأخذ الدرس مباشرة من خيامها الخاوية التي نصبتها على الحدود الكويتية قبيل شن الحرب على العراق ظنا منها أن العراقيين سيهرولون نحوها للجوء فيها تعبيرا عن التضامن مع الغزو الأمريكي.. لقد بقيت تلك الخيام خاوية تصفر فيها ريح الشماتة من أمريكا ومن سوء الفهم وعدم الوعي بحقيقة معنويات الشعوب وإحساسها بالكرامة.
قال صاحبي: لكن انظر.. انظر.. توجد حكومة وطنية وبرلمان، رئيس وزراء، رئيس جمهورية.. و.......
قلت: والبلاد أشلاء.. وعصابات ظلامية تفجر دور العبادة والمدارس والأسواق، وأمريكا التي قلت عنها إنها ستؤدي مهمة تحرير شعب العراق من الطغيان ثم تمضي أعلنت أمام العالم وعلى لسان وزير دفاعها روبرت جيت وغيره من المسؤولين أنها باقية إلى أمد طويل، فهل هناك أكثر من هذا صراحة لا تبقي ولا تذر شيئاً من خرافة تلك المزاعم الغيورة على حرية العراق وحقوقه الإنسانية!؟
قال صاحبي: ولماذا لا تأخذ مثل هذه التصريحات على أنها نوع من الاستهلاك الإعلامي لإحباط معنويات الغوغاء من زمر الإرهاب؟َ
قلت: بل الأمر في هذه المسألة أشد سوءاً، إنه بمثابة سكب مزيد من الزيت على النار!!
وعلى أية حال، على بؤس وكارثية الأوضاع هناك، فأنا على يقين أن أمريكا لن تشذ عن مآثرها في تجليل نفسها بعار الهزيمة في العراق فتاريخها سجل حافل بالهزائم، رغم كل جبروتها وقوتها: في كوريا، في فيتنام، في اليابان، في أوروبا.. فكل تلك محطات وإن بدا في بعضها أنها كانت منتصرة فقد كانت الدول الأخرى هي التي تنهض على الرغم منها.. تحررت فيتنام، كوريا الجنوبية قوة اقتصادية أما الشمالية فشوكة نووية وأوروبا أفادت من خطة مارشال عقب الحرب العالمية الثانية وبنت نفسها خلال الحرب الباردة وهي الآن اتحاد أوروبي تحسب له أمريكا ألف حساب، أما اليابان فقد أصبحت رغم الاستسلام القوة الاقتصادية الثانية في العالم، دخلت أسواق أمريكا من باب التقنية، كذلك تفعل الصين التي شاءتها أمريكا سوقاً لسلعها فانعكست الآية. ولا تملك أمريكا اليوم لكل ذلك ردا، فهل انتصرت أمريكا في النهاية أم انتصر الآخرون يا صديقي؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي