بناء المؤسسات الصحفية في عصر الازدهار الاقتصادي
دعونا نتساءل هل الصحف التي تصدر في المملكة العربية السعودية تناسب عدد السكان أم نحتاج إلى المزيد من الصحف، وبالذات في المناطق التي لم يسبق لها أن تعاملت مع هذه الظاهرة الحضارية الضرورية؟!
إن نظام المناطق قسّم المملكة إلى ثلاث عشرة منطقة، وبعض هذه المناطق كمنطقة مكة المكرمة ومنطقة الرياض والمنطقة الشرقية..كان لها حظوة كبيرة في مجال إصدار الصحف والنشر، بينما ظلت أكثر من تسع مناطق بعيدة عن مجال إصدار الصحف الذي يعتبر من أهم عوامل قيام المجتمعات المتحضرة.
وهناك العديد من المعايير التي تقنن عدد الصحف والمجلات التي تصدر في مدينة أو منطقة، منها ـ على سبيل المثال - المعيار الذي يقول إن مجتمعًا متوسط الثقافة يحتاج إلى صحيفة يومية واحدة لكل مليون نسمة.
ووفقًا لهذا المعيار فإن المملكة في حاجة إلى المزيد من الصحف اليومية، وكذلك اعتمادًا على مبدأ التوازن الثقافي في المجتمعات، فإن كل منطقة من مناطق المملكة الثلاث عشرة تحتاج إلى صحيفة يومية مستقلة أو أكثر.
بمعنى أن بزوغ ظاهرة تأسيس المؤسسات الصحفية في المناطق التي لم تصدر بها صحيفة في الماضي كمنطقة تبوك ومنطقة جازان ومنطقة القصيم (أصدرت صحيفة القصيم قبل أكثر من أربعين عامًا) يعتبر بكل المعايير ظاهرة حضارية يجب أن نشجعها وندعمها.
بل إننا نؤكد ضرورة إنشاء مؤسسات صحفية في كل منطقة من مناطق المملكة حتى يتحقق في هذه المناطق مبدأ الثقافة المتوازنة بين المجتمعات التي سوف تلحق هذه المناطق بركب التنمية المستدامة.
وإذا كنا نلاحظ أن الدولة اتخذت في السنتين الأخيرتين سلسلة من القرارات بإنشاء مجموعة من الجامعات ـ لأول مرة - في المناطق التي تقع في الأطراف (أطراف المملكة)، فإن إصدار صحيفة في هذه المناطق يعتبر من الأمور المهمة - كما أشرنا - لتحقيق التوازن الثقافي في المجتمع، لأن إصدار صحيفة لا تقل أهمية عن إنشاء الجامعة، فالجامعة تنشر العلوم الأكاديمية، والصحف قاطرة يومية متحركة تنشر الثقافة بين كل شرائح المجتمع.
وإذا كان العالم أصبح قرية، فإن كل دولة بمثابة شارع في هذه القرية، ولذلك فإن منطق القرية والشارع يقتضي أن نبني في كل المناطق ما يوحد بين المجتمعات ويجمع أشتاتها ويبني هويتها، ولاشك أن بناء المؤسسات الصحفية ونشرها في كل المناطق من الدواعي الضرورية لتقارب المجتمع ووحدته.
إننا نعيش اليوم في مناخ يساعد على انتشار الصحف، كما أن نظام المؤسسات الصحفية الجديد الذي صدر في عام 1421هـ لم يعد معرقلاً لتراخيص إنشاء المؤسسات الصحفية، بل إن النظام يسهل ويساعد على سهولة الإجراءات لقيام المؤسسات الصحفية القائمة على أسس اقتصادية وثقافية تحقق النجاح وتفيد المجتمع.
ولاشك أن انتشار تقنية المطابع والتوسع في استخدام أجهزة الكمبيوتر ووجود الإنترنت والطباعة المتزامنة .. كل ذلك يساعد كثيرًا على إصدار الصحف ونشرها على أوسع نطاق بكل يسر وفي زمن معياري، يضاف إلى ذلك فإن الازدهار الاقتصادي الذي نعيشه يساعد على تحقيق ازدهار اقتصادي ثقافي في المؤسسات الصحفية القائمة والمنشأة حديثًا.
وفي ظل هذا المناخ المشع بالأمل، فإن الجهود الحالية الحثيثة الرامية إلى قيام مؤسسات صحفية في ثلاث مناطق من الوطن الغالي هي القصيم وتبوك وجازان .. نتوقع لها النجاح كما نتوقع أن يصل الحراك بالمحاكاة إلى مناطق أخرى من مناطق المملكة ولتكن المنطقة الشمالية ومنطقة نجران التي نلحظ أنها تعيش في هذه الأيام تحفزًا لاحقًا باتجاه تأسيس المؤسسات الصحفية.
وإذا كان لي ملاحظة على الاجتماعات الأخيرة التي انعقدت في منطقة جازان في رحاب أميرها الشهم والتي أفرزت تصريحًا يقول بإصدار الصحيفة أولاً من جدة ثم إذا اكتملت المباني والمطابع فسوف تصدر من جازان، ومع احترامنا لهذا الرأي فإننا نرى أن تصدر صحيفة جيزان من منطقة جازان، بل يجب أن تصدر من جازان ولو تأخر موعد الصدور لسنة واحدة أو أكثر.
والسبب أن عملية قيام صحافة في منطقة جازان يجب أن تبدأ في منطقة جازان ثم تنتشر في كل الفيافي والقفار حتى تشع في كل المدن السعودية، أما إذا صدرت من جدة فإن الفائدة من ثقافة المكان سوف تنتفي وتتلاشى ولا سيما أن صحفًا تحمل اسم منطقة ما ولكنها تصدر من جدة كصحيفة المدينة .. فقدت رائحة المدينة ولم تعد تتنفس إلا هواء جدة الرطب العليل وبذلك فقدت المدينة رائحة طيبة الطيبة.
وبالمثل إذا كان لي رأي فيما توصلت إليه الجهود الرامية إلى تكوين مؤسسة القصيم، فإن رجالها أخذوا مسارًا بيروقراطيًّا يحبسها بين ركام لاءات البيروقراطية الكفيلة بإجهاض المشروع وهو في مهده، والمطلوب بكل بساطة هو الإيمان بالفكرة ثم إعداد دراسة للجدوى الاقتصادية من مكتب خبرة معترف به، ومطلوب شاب قصيمي يافع مستنير يمثل ثلاثين عضوًا يسمي باسم الله ويضع مشلحه على كتفيه ثم يتجه إلى العاصمة الرياض ويقدم إلى وزارة الثقافة والإعلام ملفًا يلبي متطلبات المادة (2) و(3) من نظام المؤسسات الصحفية، وإذا ما تم ذلك فإن مؤسسة القصيم للصحافة والنشر تكون قد قطعت نصف مشوار الحصول على الترخيص الرسمي في أيام معدودات وليس في سنوات مضت وانقضت.
أقول للإخوة والأخوات في القصيم العزيزة أن الفرص لا تتكرر والفرصة الآن متاحة لمنطقة القصيم وغيرها من مناطق المملكة للحصول على ترخيص بإنشاء مؤسسات صحفية تكون منارات مضيئة تسهم في بناء الوطن ومواطنيه.