عندما قضى الملك ليلته هناك

[email protected]

كان أخي الشيخ إبراهيم بن عبد الله السبيعي قد دعاني أكثر من مرة لزيارة مشروعهم الضخم الذي أقاموه شراكة مع أسرتي الراجحي والبلاع لاستزراع الروبيان في الليث التي تبعد عن جدة جنوبا بنحو 170 كيلا. ولم أوفق بتلبية الزيارة إلا في الأسبوع الماضي، عندما صاحبني فيها ركوبا في سيارة أخينا إبراهيم السبيعي الأخوان رجل الأعمال مازن صالح والزميل المهندس الدكتور عبد الوهاب الزغيبي. في هذه الزيارة تيقنت عمليا أن من يشاهد ليس كمن يسمع. ذهبت وشاهدت بعيني ويا لعظمة ما رأيت! لقد كان مشهدا اقتصاديا وطنيا من المشاهد السارة في حياتي! كان كل ما وقعت عليه عيناي هناك يدعو للفخر والسرور، ويزيد إيماني بأن بلادنا زاخرة بالفرص الاستثمارية، التي متى استغلت، فتحت لنا آفاقا رحبة لتنويع دخلنا الوطني.
رجال الأعمال الوطنيون الذين يتحلون بروح المغامرة والمخاطرة ويقدمون على إنشاء مشاريع رائدة تضيف لاقتصادنا الوطني قيما اقتصادية حقيقية وتؤسس لقيام منتجات رفيعة الجودة، وينافسون بها بجدارة في الأسواق العالمية، هم كالأصول المنتجة الثمينة! إن الواحد من هؤلاء لا يقل أهمية من الناحية الاقتصادية عن بئر النفط. هؤلاء لم يرضوا أن ينموا ثرواتهم فقط من خلال الاستيراد وتصريف البضائع الأجنبية (على ما في هذا النشاط من خدمة للناس وللبلاد) بل يقومون بما هو أكثر فائدة وجدوى للاقتصاد. نعم ، إنهم يؤسسون لصناعات تنمي ثرواتنا الطبيعية وتحولها إلى منتجات عالية الجودة تلبي الحاجات المحلية وتصدر الفائض للخارج، فتجلب لبلادنا العملة الصعبة، وتوفر مزيدا من فرص العمل للناس، والأهم أنهم يؤسسون لمشاريع غير مسبوقة، ستوفر مع تراكم السنين خبرات عملية وعلمية في هذه الصناعة.
كل حوض وقفت عليه من هذه الأحواض الضخمة المستزرِعة للروبيان كان يشنف أذني بأجمل لحن اقتصادي وطني. كانت مساحة كل حوض ألفا متر مربع، فيما بلغ إجمالي المسطحات المائية المستزرعة نحو 2500 هكتار، تنتج 12500 طن من الروبيان سنويا. ونظرا للنجاح العالمي الكبير الذي بلغوه، فإنهم بصدد توسعة المشروع ليضاعفوا من المسطحات المائية المستزرعة ويضاعفوا من جملة الإنتاج ليبلغ 30 ألف طن، اللهم زد وبارك.
لقد استثمر هؤلاء الرجال نحو مليار و500 مليون ريال في مشروع منتج حقيقي سيعود على اقتصادنا بخير وفير بحول الله تعالى. لم يزاحموا المنتجين المحليين الصغار، لذلك وجهوا فقط 20 في المائة من إنتاجهم للسوق المحلية، ويصدرون الباقي لليابان، أمريكا، أوروبا، أستراليا، وسنغافورة، وتصوروا! لمن أيضا؟ للصين التي تعتبر أكبر منتج للروبيان في العالم! نافسوا عمالقة منتجي الروبيان في العالم من الصين شرقا حتى الإكوادور غربا، لأنهم تمكنوا بفضل من الله تعالى من إنتاج سلعة تتفوق في جودتها جميع المتوافر منها في الأسواق العالمية. فمنتجاتهم خالية من المضادات الحيوية والكيماويات المحظورة دوليا. اعتمدوا في استزراعها على أكثر مما انتهى إليه الآخرون، إذ طبقوا نظام الاستزراع بالكثافة المتوسطة باستخدام أحواض تعادل مساحة الحوض الواحد منها مساحة ثمانية ملاعب لكرة القدم مجتمعة. وتحتفظ الشركة بواحدة من أقدم سلالات الروبيان المدجنة في العالم. فالجيل المستزرع حاليا هو الجيل السابع والعشرين من الروبيان الأبيض الموجود في مياه البحر الأحمر. كما أخضعوا منظومة الفقاسات والمفارخ لأنظمة محجرية صارمة بوضعها في منطقة معزولة طبيعيا داخل المشروع. عظمة على عظمة يا بلدي!
ولأن النجاح يولد مزيدا من النجاح، وحيث إن الصناعات الناجحة تعتمد دائما على برامج الأبحاث والتطوير، فإن الجهود لم تتوقف عند هذا الحد. فالطموح الكبير دفع الشركة للعمل على تدجين أجناس أخرى من الروبيان لاستزراعها، بتطوير برنامج لإنتاج الروبيان العضوي، وآخر لإنتاج الأعشاب البحرية والطحالب ذات القيمة الغذائية العالية. وبرنامج ثالث لتطوير الأعلاف، وهو موضوع مهم في مثل هذه الصناعة، لأن الأعلاف عنصر أساسي في تكاليف الإنتاج التشغيلية، وبتوفيرها محليا تصبح مشاريع الاستزراع السمكي أكثر جدوى من الناحية الاقتصادية. وهذا بالفعل ما دفع الشركة لتبني برنامج متكامل لاستزراع الأسماك يعتمد على استغلال المياه الراجعة من المزارع، لأن هذه المياه غنية بالطحالب والعوالق البحرية ذات القيمة الغذائية العالية جدا وهي مناسبة لتغذية الأسماك المستزرعة. وسيبلغ بحول الله إنتاج الأسماك 30 ألف طن أخرى.
هذا مشروع وطني كبير، عند اكتماله سيجعل بلادنا واحدة من أكبر عشرة منتجين للروبيان في العالم. لذلك لم أستغرب عندما أبلغني أخي إبراهيم السبيعي، أن رمز البلاد وولي أمرها الملك عبد الله بن عبد العزيز- أيده الله بتوفيقه - كان قد بات ليلة في إحدى الفيلات السكنية في موقع الشركة عند تفضله بافتتاح المشروع في عام 2003م، على الرغم من أنه كان بإمكانه أن يعود في اليوم نفسه إلى مقر إقامته في جدة. وهذا تكريم وتشجيع غير مسبوق للمشروع وللقائمين عليه. لقد كان افتتاحا غير تقليدي لمشروع غير عادي.
عندما أسترجع التاريخ الاقتصادي لبعض الدول المتقدمة، أتذكر كيف أن المدن والحواضر تنشأ أولا بقيام مشروع وطني ما: خط سكة حديد، منجم، مصنع، مزرعة، جامعة... ثم تقوم الحياة حوله. إحياء الأراضي من الأنشطة التي حث عليها الشارع، فبمثل هذا تعمر الأرض ويحيا الناس حولها (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، وبمثل هذه المشاريع تتقدم الأوطان وتنمو.
بقيت مفاجأة جميلة أخرى، كنت سعيدا بها طيلة الوقت الذي كنا فيه نستطلع هذا المشروع الكبير، ونستمع مستمتعين بالشرح المهني الرفيع الذي قدمه مديره عنه. كانت عيناي تتراقصان جذلا متفحصان ذلك الجمال الذي بدا في المهارة الاحترافية والهمة العالية المتخصصة التي كان عليها مدير الشركة الشاب المهندس أحمد البلاع، المقيم في موقع الشركة في الليث. كانت الفرحة فرحتين: فرحة بالمشروع وفرحة أخرى بالكفاءة المهنية العالية لشاب من وطني. بعد نجاحنا في صناعة الألبان ومزارع الدواجن، ندخل الآن قصة نجاح أخرى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي