أكاديميون في سوق الأسهم
ما يحصل في سوق الأسهم السعودية جدلي إلى حد بعيد، والأكاديميون بطبيعتهم يحبون الجدل، لذلك تجد لهم مشاركات جيدة في مناقشة أحوال السوق، لكن القضية الكبرى التي تواجههم أنهم غير مرغوب فيهم، لذلك فهم دائما يواجهون مشكلة ندرة المعلومات التي يمكنهم الاطلاع عليها, والأسواق أسرار. أضف إلى ذلك أن الأكاديميين متحفظون حيال تفسيراتهم للمعلومات المتاحة في السوق, وليس ذلك لقلة الخبرة كما قد يتوهم البعض, ولكن لأن الأحداث قابلة لأكثر من تفسير, فهي تعبر عن سلوك اجتماعي لا يمكن الجزم بشيء حياله، وفي المقابل تجدهم أكثر جرأة في التحليل عند الكتابة على صفحات الإنترنت عبر المنتديات المتخصصة لأنهم لا يستخدمون الحرف (د).
وقضايا السوق تمثل منطقة صراع كبيرة بين فئة مجتمع الأعمال وفئة الأكاديميين، الأكاديميون يؤمنون بالتنظيم وأن هذا العالم منظم وهيكلي يمكن فهمه بمعرفة العوامل التي تشكله وتفاعلها معا, ويمكن السيطرة عليه من خلال السيطرة على هذه العوامل ومن ثم تسخيره لخدمة الإنسان وتحقيق الرفاهية، وتجدهم يسعون إلى تشكيل الهيئات والطلب من الحكومات أن تتولى مهام التنظيم والسيطرة أكثر على حركة الأسواق، لذلك لم تظهر هيئة السوق المالية إلى الوجود نتيجة مطالبات ملحة ومستمرة من رجال الأعمال والصناديق الاستثمارية بل نتاج حركة مجتمع الأكاديميين أو من يعدون كذلك. وفي المقابل فإن رجال الأعمال ذوو طبيعة رأسمالية تؤمن بالسوق الحر والمنافسة والبقاء للأفضل، وهم دائما يثنون على الحكومات التي لا تتورط كثيرا في حركة الأسواق، لذلك أشك كثيرا في نياتهم تجاه هيئة السوق المالية أو مثيلاتها إلا إذا كانت لحماية ثرواتهم وأساليبهم في تعظيمها.
وبين هذا وذاك صراع والحسم في يد الأقوى لوبي وتأثيرا في القرار السياسي، ويبدو دائما أنه في صالح رجال الأعمال. لذلك لا تستغرب رفضهم دعم البحث العملي ليس لدينا فحسب بل في العالم أجمع طالما أن نتائجه لن تدعم سيطرتهم على القرار أو توجيهه على الأقل، وكلما اتجهنا نحو العالم الأقل تقدما ازدادت ظاهرة رفض البحث العملي حدة وانتشرت عبارة "سري جدا".
ولأننا لسنا بدعا من البشر، فإني لا أشك أن هيئة السوق المالية تواجه ضغوطا كبيرة من قبل رجال الأعمال، كبارهم على وجه الخصوص. وهي لم تزل تقاوم مثل هذه الضغوط لكنها - فيما يظهر لي - تتفاقم عليها وتتخذ أساليب متنوعة، منها المباشر - كردة الفعل الرافضة للائحة الحوكمة - ومنها ما يتم عن طريق السوق المالية نفسها، من خلال نشر الشائعات واستخدام السوق كردة فعل على تكذيبها، ومن ذلك محاولات الدوران على أنظمة السوق المتعلقة بالإفصاح والشفافية أو المتعلقة بالنسبة المطروحة للاكتتاب أو علاوة الإصدار وخلافه. والحقيقة أن هيئة السوق تواجه وبمفردها – في ظل غياب دعم الأكاديميين - صراعا كبيرا جدا يظهر أحيانا في الربط بين تنظيم السوق و انهيارها، وأن مسؤولية ما يحدث من تصحيحات تقع على عاتق الهيئة بترويج فكرة قدرتها على تحديد اتجاه السوق ومنعها العودة إلى مسارها الصاعد مما قد يولد ردة فعل عامة تجاه الهيئة والقائمين عليها.
هذه الضغوط المستمرة على الهيئة قد تظهر نتائجها قريبا في تعديلات على الأنظمة وذلك بقدر ما تتمتع به الهيئة من استقلال. وهذه النتيجة ليست من نسج الخيال بل هذا ما حصل في عدد من الهيئات التي اضطرت إلى تعديل عدد من أنظمتها تجاوبا مع رغبات كبار صناع السوق وغياب واضح للأكاديميين الباحثين القادرين على تفنيد الحجج بالأدلة العقلية المستندة إلى دليل تجريبي، ويعذر الأكاديميون أحيانا نظرا لمنعهم من الوصول إلى البيانات التي يحتاجون إليها مع صعوبات التمويل الكبيرة، لذلك تجدهم يعتمدون على التنظير أكثر بمحاولة تعميم نتائج الدراسات التي تمت في أسواق عالمية.
وعلى الرغم من أن استقلال الهيئة واضح في الجانب المالي – وهو ما يحقق لها ميزة نسبية على صناع السوق ومثيلاتها من الهيئات- إلا أن الاستقلال الفكري أصبح عندي محل شك، والسبب في هذا أن ظهور الهيئة كان نتيجة تطوير نظام السوق المالية، فهي بهذا كانت تبعا للنظام وجزءا منه، وبمعنى آخر فإن نظام السوق المالية أوجد الهيئة وليس العكس، فوجودها جاء بعد أن تمت صياغة كل الأنظمة والقواعد ولم تكن هذه القواعد نابعة من تجربة الهيئة وقناعاتها، وهذا الأمر يحد من قدرات منسوبيها على تفنيد الحجج و إقناع السوق بنظامية التدخل أو عدمه، وهذا يدعم ما أشرت إليه سابقا من أن الهيئة تتعرض إلى ضغوط كبيرة لتعمل خلافا لما يقرره نظامها مما قد تضطر معه إلى تعديل بعض من هذه الأنظمة، وهنا تبرز قضية الاستقلال الفكري. فكيف تميز الهيئة بين التعديلات الناتجة عن قناعاتها وبين تلك التي لم تكن سوى استجابة للضغوط؟
هنا تحتاج الهيئة إلى إدارة الصراع بالاستفادة من الأكاديميين الباحثين لتبرير العديد من أنظمتها القائمة أو التي تحتاج إلى تعديل من خلال البحث العلمي المنظم، وقد بدأت الهيئة فعلا في ذلك بالاتفاقية التي أبرمتها مع هيئة المحاسبين القانونيين، وهي خطوة جديرة بالاحترام فعلا وتحتاج إلى خطوات أكثر باستقطاب مراكز بحث محلية وعالمية ومدهم بجميع المعلومات الضرورية، كما نتمنى أن يتيح نظام تداول المطور أساليب جديدة لتحميل البيانات المتعلقة بحركة الأسعار أو البيانات المالية للشركات مما يسهل البحث العملي بشكل أكبر (بدلا من مجرد عرضها فقط كما في النظام الحالي وعلى الباحث تطوير أسلوبه لتحويلها إلى بيانات يمكن تحليلها وهي عملية شاقة تأخذ أشهرا أحيانا)، كذلك اقترح تخصيص جائزة سنوية لأفضل بحث علمي أو رسالة علمية تناقش قضايا السوق المالية السعودية، هذا الدعم سيوفر غطاء جيدا لقرارات الهيئة ويدعم موقفها في مواجهة رجال الأعمال أو المجتمع الاقتصادي عامة عندما تقرر التعديل أو عدمه.