سيتم تمكين الفقراء إذا تجاوزنا فقر التمكين (1/2)
لقد اعترف المجتمع الدولي بأن الحد من الفقر والجوع يتطلب إنشاء تحالف عالمي توحده أهداف مشتركة ونوايا صادقة وعزيمة لا تنقطع ودعم متواصل, وإن الإخلال بأي من هذه المتطلبات يعني ضخ أعداد جديدة تستحيل معه أي جهود للتغلب على المشكلة فيما بعد. في هذا الصدد فقد كان الهدف المشترك لشراكة صندوق "أوبك" مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية, تمكين الفقراء ورفع معاناتهم. المحزن أن بعد كل هذه السنوات لا زال العالم اليوم يواجه الأزمة نفسها, إذ لا يزال الفقر أكبر عامل تهديد للأمن والتنمية. ومع أن التقارير الدولية والأبحاث القطرية والدراسات العلمية والمقالات الصحافية ... إلخ أخذت تركز على الموضوع خصوصا بعد أن بدأت كثير من دول النفط تتمتع بارتفاع أسعاره إلا أن الجهود رغم ضخامتها وتناميها تبدو في صراع مع ذاتها فبدت وكأنها هي الفقيرة في تمكين الفقراء حيث وضح أنها نوايا ولم تعد النوايا تجبر عثرات البشر. لقد كان وما زال أهم أهداف المنظمات المعنية تخفيض أعداد الفقراء إلى النصف بحلول عام 2015م, إلا أن قياس التوجه نحو برامج الاستثمار في الزراعة مثلاً, دل على أن الإنفاق العام على الزراعة منخفض نسبياً، وأن الرقم 1.2 مليار نسمة يعيشون في العالم في فقر مدقع ما زال يحافظ على المستوى نفسه، بل إنه في تنام بصفة عامة منذ عام 1990م, والتوقعات صعبة لخفض الرقم في الأمد القريب. لقد ظهر أن عبارات مثل "إن أهم شركائنا هم الفقراء أنفسهم", و"لن ننجح في تمكينهم وتمكين أطفالهم إلا بتلبية احتياجاتهم", و"إن صغار المزارعين وصائدي الأسماك يمثلون المنتجين الرئيسيين للغذاء", وعبارات أخرى مثيلة لها، تفتقر لقوة التفعيل لمواجهتها معوقات تحول دون تمكين الفقراء لتعزيز إنتاجيتهم ومستوى دخولهم. السبب وضح بأنه الاهتمام بمعالجة الاختلال الاجتماعي ومعادلة الفرص بين أفراد المجتمع الواحد للوصول إلى الخدمات الاجتماعية, حيث بدت وكأنها إجراءات نظرية افتقدت إلى آلية التنفيذ وتمكن أصحاب القدرة من ترجمة المصطلح "تمكين الفقراء". لقد وضح أن ضعف المعلومات وعدم التخطيط المتكامل والافتقار إلى المتابعة المتواصلة مع ضعف تأهيل المنفذين للبرنامج جعل المشروع وكأنه تنظير على حساب الفقير, مع أن منظمات أممية ودولية مثل: منظمة الصحة العالمية، منظمة اليونسكو، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، صندوق الأمم المتحدة للسكان، منظمة العمل الدولية، منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر... إلخ، ركزت مشاريعها على أهم المحاور مثل محو الأمية وتعزيز الثقافة الصحية ودعم شبكة معلومات صحة الطفل, والصحة الوقائية والإنجابية لتمكين المرأة للوصول للخدمات الاجتماعية وزيادة فاعليتها عبر المشاركة الاقتصادية، ومكافحة العنف ضد الأطفال ودعم ذوي الاحتياجات الخاصة. من ناحية أخرى برنامج الخليج العربي (أجفند) منذ إنشائه في عام 1980م قام ويقوم بجهود حثيثة وتنموية حيث أسهم في دعم وتمويل أكثر من 1045 مشروعاً في أكثر من 130 دولة نامية في مجالات عدة مثل: الصحة، التعليم، والبناء المؤسسي، ولكن برنامجا مثل الذي بثته قناة العين قبل شهرين تقريبا كشف عن وضع الفقر في المملكة العربية السعودية، وكان على سبيل المثال أكثر من 12 ألف عائلة في منطقة مكة المكرمة تعيش في حالة فقر منها خمسة آلاف عائلة أو يزيد تتطلب التحرك السريع لتحسين معيشتهم لأنهم يعيشون في فقر مدقع!. الجدير بالذكر أن معالي وزير الشؤون الاجتماعية أفاد بعدها بتصريحات أعادت الأمل في قلوب الكثير إلا أن الإعلام ما زال ينقل صورا من مواقع مختلفة بالمملكة تجعلنا نتساءل ما إذا كانت الجهود تتناسب وماهية وحجم المطلوب عمله؟ لقد غيرت بعض الظواهر المستجدة في هذا العصر شكل وتركيبة المجتمع وبالتالي شددنا على الاهتمام بمرتكزات تمكين الفقراء مثل إعادة صياغة نظام التعليم وتدخلنا في تكييف النظام الصحي بما يكفل للجميع إصحاحا كافيا ومتوازنا ومؤمنا وقائيا وعلاجيا مدى الحياة. وإيجاد نظام يكفل فيه حق الجميع في تأمين الغذاء ويضمن سلامة المتوفر ويضع حدا للعابثين به, وتحديد أدنى مستوى للأجور, وتخفيف وطأة فاتورة الإسكان والإفادة من الزكاة بعد تقنين جمعها وتحسن آلية صرفها لتمكين الفقراء من تملك أدوات الإنتاج التي تضمن لهم دخلا ثابتا يسد حاجتهم بصفة مستمرة. ولكن.. أين الخلل؟ هل يمكن أن يكون الخلل فيمن تمكنوا من تنفيذ برنامج التمكين؟ إن التمكين من وجهة نظري هو تكليف من نعرف أنهم الأقدر على متابعة تنفيذ برنامج تمكين الفقراء وليس في الحلول المطروحة ذاتها!. ثم من بعد ذلك في تشجيع الذين تم تمكينهم على التعبير ليتمتعوا بحقوقهم في الحياة. نعلم أن الكثير منهم خصهم الله عز وجل بخصلة العفاف والإيثار على النفس, لذلك حري بنا البحث عنهم وإشراكهم ودمجهم في تنمية المجتمع والتعامل معهم بكل شفافية, لأن ذلك حتما سيفيد في معالجة بل القضاء على الفقر إذا ما تمكنا مما لديهم من معلومات (وهذا مهم) وتدارسنا مقترحاتهم في رفع المعاناة (وهو الأهم). وللحديث بقية.