سوق الأسهم: نقطة انعطاف

[email protected]

الغرض الرئيس من الأسواق المالية هو خدمة الاقتصاد الحقيقي لتحقيق نمو من خلال تراكم رأس المال والمعرفة والمهارات البشرية. نظرا لتوافر رأس المال في المملكة قياسا بالفرص الاستثمارية ذات القيمة المضافة اقتصاديا، فإنه من الصعب أن تدار أسواق المال لهذا الغرض الأهم بمفرده، ولكن طبيعة الاقتصاد وتداخلاتها الاجتماعية تجعل دور الأسواق المالية في حالة وسطية، مما يعرضها والمشاركون فيها – سواء شركات تطمح إلى جذب رأسمال استثماري أو مستثمرون يسعون إلى الكسب الرأسمالي بطريقة منهجية – إلى حالة من التوتر أحيانا والتذبذب الحاد أحيانا أخرى على مستوى الفكر والنفسية التي تؤثر في السوق، "لذلك نجد الناس تبالغ في التفاؤل مرات وتبالغ في التشاؤم مرات أخرى على المرجعية الاقتصادية نفسها"، أضف إلى ذلك طبيعة الاقتصاد المعتمد أساسا على سلعة واحدة، حيث التذبذب سمة رئيسية والكتلة النقدية هي المحرك الأبرز. هذه البيئة تجعل أسواق المال في حالة "معلقة" حتى تصل البيئة الاقتصادية إلى أرضية أكثر صلابة وأقل تذبذبا. في ظل هذه الظروف يصعب إيجاد إطار تحليلي يعتمد عليه، ولكن سوف نحاول.
أسواق المال تشمل الأسهم والسندات وأي منتجات مالية أخرى، نظرا لأهمية سوق الأسهم فسنركز على هذا السوق في هذه المقالة. تحليليا، هناك ثلاثة أبعاد يجب الوعي لها: البُعد الأول يتعامل مع الوقت، والبُعد الثاني يتعامل مع الكلي والجزئي، والعامل الثالث مع العامل المؤسساتي "البيئة العامة تنظيميا وفاعلية المشاركين"، هذه الأبعاد مترابطة ولا يسمح لا الزمن للتعامل معها بمعزل عن بعضها ولا طبيعة البشر في تعاملاتهم مع بعض أو مع دور المؤسسات ذات العلاقة، لذلك فإن الإلمام بها جميعا والحصول على توصيات دقيقة للمستقبل عملية محفوفة بالمخاطر.
ما آفاق السوق السعودي اليوم؟ للإجابة عن هذا السؤال علينا محاولة قياس هذه الأبعاد.
البعد الأول القريب إلى أذهان الناس هو ما عسى أن يحدث غدا، في المدى القصير ليس أمام المشترين والمضاربين إلا التريث حتى تمر موجة الإصدارات الكثيرة، ويبقى السؤال الملّح هو كيف سيتعامل السوق مع هذه الأطروحات، فـ "كيان" و"جبل عمر" ومن ثم أحد الإصدارات الكبرى، إما بنك الإنماء أو شركة الاتصالات الجديدة أو مجموعة المملكة ستسهم في إيجاد تغيير هيكلي وتغيير نوعي لا يمكن أن يمر دون إعادة تسعير الأسهم وتقييمها، لذلك تجد حالة الترقب وانخفاض السوق وحجم التداول.
في المدى الطويل لا شك أن تعميق السوق رأسيا وأفقيا سيسهم في تطوير السوق وإعطائه درجة أعلى من الكفاءة وربطه بالحركة الاقتصادية الفعلية وجعله أكثر استقرارا.
البعد الثاني هو محاولة فصل الجزئي عن الكلي، ونقصد بالجزئي هنا الحاجة إلى التفريق بين الشركات مفردة والسوق ككل. فالشركات المكونة للسوق تختلف في أدائها استثماريا وإداريا وتاريخيا، ولكن في الماضي والحاضر لم يكن السوق بحجم فاعلية تسمح له بالتمييز بين الغث والسمين، فعلى سبيل المثال، يعرف الجميع أن هناك شركات خدمات كثيرة وزراعية وغيرها تصل قيمتها السوقية أضعاف قيمتها الجوهرية، مثال من المستقبل هناك شركات تأمين كثيرة لن يكون أداؤها كلها واعدا، والبعض سيكون نجما ساطعا والبعض سيتعرض لخسائر أو حتى فساد وعدم كفاءة ولكن "السيد سوق" سيفرز الغث عن السمين، خاصة إذا قام الجهاز الرقابي بدوره المأمول. مثال ثالث من قطاع البتروكيماويات، فقد حصلت شركة التصنيع وشركة الصحراء على الحصة نفسها من الغاز في الوقت نفسه، ولكن "التصنيع" كانت أسرع بكثير في استغلال الفرصة الاقتصادية. تطور السوق وتعدد الشركات سيسهمان في هذا الفصل الصحي بين الكلي والجزئي على أن تكون الخطوة المكملة مؤسساتيا مستقبليا في إيجاد سوقين، "ذكر معالي رئيس الهيئة بواقعية أنه ليس هناك خطط مستقبلية قريبة لذلك".
البعد الثالث يمكن اختزاله في كفاءة هيئة سوق المال وشخصيتها، كفاءة الجهات الرقابية لها دور جذري في تطوير وبعد النظر وتفعيل سلطة النظام والقانون في أسواق المال، دون ذلك ستكون أسواقنا عرجاء للأبد، بل إن هذا الدور في أهم مراحله، لأننا في المراحل التأسيسية، وأي تنازل في هذه المرحلة يضعف مصداقية الأسواق وسمعة القائمين على تنظيمها، فعلى المؤسسة المراقبة والبناء الداخلي معلوماتيا وبشريا وقيادة السوق بما في ذلك هيبة الهيئة.
لقد لاحظ البعض درجة من الارتباك حول ما أشيع وقيل عن شركة المملكة وإرهاصات طرحها في السوق، "كونها شركة استثمارية في الأساس وليس هناك قانون ينظم هذه العملية حتى الآن ورد المؤسسة وما تلا ذلك من رد قوي غير واضح حول بنك الإنماء". تأتي الفاعلية والمصداقية من قدرة المشاركين في التنبؤ بما تقوله الهيئة حتى لا تصبح المسألة شخصية فاقدة للطابع الانضباطي الذي يصاحب سلطة القانون والنظام.
رسم العلاقة بين هذه الأبعاد وقياس تطورها وتأثير بعضها في بعض محاولة لقراءة السوق وتطويعه حتى يصبح جزءا مؤثرا إيجابيا في الحركة الاقتصادية، ناهيك عن عدة عوامل أخرى مؤثرة في حال السوق سواء اقتصادية أو سياسية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي