أزمة الأمة في ذاتها
سبق أن كتبت في العدد 4936 والمنشور بتاريخ 29/3/1428هـ الموافق 17/4/2007م مقالاً بعنوان الأمة وجراح متراكمة خلال عقود، وتناولت في ذلك المقال الأزمات التي تتعرض لها الأمة، وبشكل مستمر، فما أن تنتهي مشكلة حتى تبدأ مشكلة أخرى، وقد تكون الأزمة الجديدة أشد وأثقل في تأثيرها من سابقتها. ومع تفجر الأوضاع في نهر البارد بين الجيش اللبناني ومن يطلق عليهم فتح الإسلام أجد القلم يقودني للكتابة عن الموضوع، ألا وهو موضوع أزمة الأمة في ذاتها ومكوناتها، فالذات، والمكونات في نظري تحتضن بذور هذه الأزمات بين جنباتها، وما يحدث في العراق من شقاق بين الإخوة، أو ما يحدث من اقتتال على أرض فلسطين بين أبناء القضية الواحدة، أو ما نشهده من احتراب بين الجيش في لبنان ، وبين من يطلق عليهم جماعة فتح الإسلام يعود في أساسه لجذر واحد .
من تكون جماعة فتح الإسلام وما أهدافها؟ هذه الجماعة ليس لها تاريخ طويل على الساحة اللبنانية، ولم يرد لها ذكر قبل سنة من الآن، لكن الأخبار التي وردت بعد وقوع الاشتباكات تشير إلى أنهم مجموعة جهادية تنتمي لأقطار عربية متعددة، ولا يوجد بينهم من الفلسطينيين إلا عدد قليل، كما تشير الأخبار إلى خبرتهم في مجال القتال في أفغانستان والعراق، ومع أن الأخبار تحاول ربطهم بالسنة إلا أن هذا لا يكشف أهدافهم الحقيقية، وفي هذا ما يدعونا إلى التساؤل عن اختيارهم لبنان ملجأً، ولماذا تفجرت الأوضاع بينهم وبين الجيش اللبناني في هذا الوقت بالذات؟ وإذا صحت الأخبار من أنهم مزيج من عدة أقطار عربية وإسلامية، فما الذي يجمع بينهم؟ أعتقد أن ما يجمع بين أفراد هذه المجموعة فكر معين يعتقدون به ويرون صحته بغض النظر سواء اتفقنا معهم أو اختلفنا بشأن هذا الفكر، كما أن من المتوقع أن لديهم قضية واحدة تجمع بينهم وقد تكون هذه القضية، قضية فلسطين أو قد تكون قضية الأمة بكاملها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، خاصة وهم يرون أمتهم تتعرض للمحن والشدائد، كما أن من المتوقع وجود خلفيات اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، ومتشابهة تجمع بين أفراد هذه المجموعة، مما يعطي الانطباع بتجانس أفرادها. أما لماذا وقع الاختيار على لبنان، ولماذا تفجرت الأوضاع في هذا الوقت، فهذا أمر يمكن تناوله بالتحليل والتخمين خاصة مع ندرة المعلومات حول هذه المجموعة.
لبنان دولة متعددة الطوائف والمذاهب، ووجود ومصالح هذه الطوائف يعتمد على قوتها المادية، الاقتصادية، والعسكرية، وخلال الثمانينيات الميلادية والسبعينيات حين تفجرت الحرب الأهلية وجد على الساحة اللبنانية كيانات متعددة فالمسيحيون مثلهم عسكرياً وسياسياً بصورة واضحة كل من حزب الكتائب، من طرف، والقوات اللبنانية من طرف مع وضوح الانتماءات والارتباطات العائلية والمصالح التي تحدد الانتماء لهذا الطرف أو ذاك، أما الحزب الاشتراكي التقدمي فيمثل الدروز وله مليشياته والشيعة كانت حركة أمل هي الممثل الأساسي لهم على الساحة سياسياً وعسكرياً، أما السنة فإنهم كيان سياسي حفظ حقه تاريخياً لكنه لم تكن له مليشيات عسكرية كغيره من الفئات الأخرى، مع أنه كانت هناك محاولات لعمل ذلك كما في حركة المرابطين التي أسسها إبراهيم قليلات، ومحاولة سعيد شعبان لتأسيس حركة التوحيد في طرابلس، لكن كلا المحاولتين لم تستمرا في وجودهما على الساحة كحركة تمثل المسلمين السنة عسكرياً.
في الوقت الراهن لا يزال الوضع على ما هو عليه في السابق، فالمسيحيون تمثلهم تيارات عدة منها الكتائب، القوات اللبنانية، حزب التيار الوطني الحر بقيادة ميشال عون، والدروز لا يزال الحزب التقدمي الاشتراكي هو الذي يمثلهم ويدافع عن مصالحهم، أما الشيعة فقد برز على الساحة بجانب حركة أمل حزب الله والذي أصبح قوة سياسية وعسكرية يحسب لها حسابها على الساحة اللبنانية بحكم التنظيم القوي الذي يقوم عليه وبحكم الدعم الذي يتلقاه من إيران ومن غيرها من الأطراف الأخرى.
هل صحيح أن جماعة فتح الإسلام هدفها دعم السنة في لبنان أم أن هذا للاستهلاك الإعلامي وخلط الأوراق؟ شخصياً لا أظن ذلك حتى وإن كان أفراد هذه المجموعة من السنة، ذلك أن هذه الجماعة يمكنها دعم السنة والعمل في الساحات الساخنة والملتهبة كما في أفغانستان، حيث تقاتل طالبان قوات حلف الأطلسي بقيادة أمريكا، كما يمكنها العمل في الساحة العراقية والتي بدورها تشهد قتالاً عنيفاً بين القوات الأمريكية والبريطانية من طرف، والعراقيين الرافضين للاحتلال والوجود الأجنبي على أراضيهم من طرف آخر.
ومهما تكن هوية هذه الجماعة وأهدافها التي جاءت لتحقيقها على الساحة اللبنانية، فإن الوضع في لبنان في صورته القائمة لا يمكنه أن يكون في مصلحة المسلمين السنة في لبنان، فجميع مكونات المجتمع اللبناني لها كياناتها السياسية ومعها مليشياتها التي تحميها وتحافظ على مصالحها. من الجميل أن يكون السنة هم من يمثل ويجسد النموذج المدني في المحافظة على الهوية الطائفية وفي السعي لحفظ الكيان اللبناني بصورته العامة كدولة لكن هذا الهدف السامي قد يعرضهم للأخطار في ظل كيانات سياسية ما زالت تحافظ على قواتها العسكرية وإن كانت غير ظاهرة للعيان، عدا حزب الله وحركة أمل، لكن الأحداث التي حدثت في لبنان أثبتت وجود هذه القوى العسكرية وإن اختفت في مناطقها التي تنتمي إليها.
إن التحرك للقضاء على هذه الجماعة ومنع تحركها على الساحة اللبنانية يمثل فرصة للبنانيين لإعادة النظر في كافة التشكيلات العسكرية أو المليشيات المذهبية والطائفية، إذ لا معنى ولا يمكن قبول وجود مليشيا تخص طائفة دون أخرى، فالوطن للجميع وهم يتقاسمون خيراته وعليهم المحافظة عليه وعلى وحدته ولا تترك هذه المهمة لفئة بينما الفئات الأخرى تسعى لتشكيل دويلاتها الخاصة بها داخل الدولة اللبنانية. قد يقول قائل إن تيار المستقبل يهيمن عليه المسلمون السنة، لكن هذا غير صحيح فهذا التيار ينتمي إليه قادة الحزب التقدمي الاشتراكي، وقادة القوات اللبنانية والكتائب وفي الوقت ذاته هذه الكيانات تحافظ على كياناتها الطائفية الضيقة ولم تتخل عنها. إن الفئة الضائعة على الساحة اللبنانية هم السنة في وضع كهذا، ولهذا لا بد من تصحيح هذا الوضع كي يكتسب الوضع الطبيعي الذي تكون فيه مؤسسات الدولة هي المهيمنة بدلاً من سيطرة وسطوة الكيانات الطائفية الضيقة.
ومع تسليمي المطلق بأن ما أقدمت عليه جماعة فتح الإسلام لا يخدم الإسلام ولا السنة في لبنان إلا أنه وبلا شك يعكس إدراكاً حقيقياً لواقع مغلوط يعيشه لبنان، حيث الانتماء الطائفي المدعوم بالمليشيا هو الأساس لكل الفئات ما عدا السنة، بينما الانتماء للوطن يأتي في المرتبة الثانية.
إن حالة اليأس والقنوط التي يعيشها معظم أبناء الأمة نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية، السياسية، والاجتماعية قد يكون سبباً إن لم يكن السبب الرئيس لهذه المسألة ولغيرها من المسائل التي تظهر على الساحة العربية والإسلامية بين فينة وأخرى وبمسميات ولافتات متعددة ومهما يكن السبب تبقى الأمة هي الخاسر الأول لأن الأموال والدماء التي أريقت يفترض أن تستثمر في مكان آخر ومن أجل قضية أهم.