هروب خادمة ومعاناة مواطن !!!
في مدينة مثل الرياض تباعدت أطرافها وازدحمت طرقاتها يتكاسل الكثير منا في القيام بواجبات اجتماعية ملحة مثل حفلات الزواج ومجالس العزاء وزيارة الأقارب، وهذا راجع لتغيّر نمط الحياة وظروفها فلم تعد كما كانت قبل عشرين أو ثلاثين عاما مضت، إلا أن الجميع يشد إزاره ويجمع كل أوراقه ويمهد نفسه إذا كان الأمر يتعلق بمراجعة إحدى الدوائر الحكومية مثل الجوزات والأحوال والمرور والاستقدام وغيرها، فتلك لا مناص ولا فرار من مراجعتها حتى لو بعد حين. وحيث إنني مررت بتجربة شاركني فيها حسب الإحصاءات الرسمية قرابة 90 ألف مواطن خلال عام واحد، وهم ممن عايشوا تبعات هروب عمالتهم المنزلية، عليه رأيت إطلاع المسؤولين في تلك الجهات على تجربتي كي تكون حافزا على علاج التبعات التي يعانيها الآلاف من الأفراد والتي لا أعتقد أن أياً منهم مر بها.
خرجت (جين) الفلبينية من المنزل بعد أن فرغت من غسيل أواني الغداء وتركت رسالة اثنت فيها على كل فرد من أفراد منزلنا الصغير، وكأني بها تعتذر عن هروبها، وبعد عدة أيام اتصلت بإحدى صديقاتها من الخادمات وقالت إنها في جدة وتعمل في أحد المشاغل النسائية وتتقاضى ضعف الراتب الذي كانت تتقاضاه وهي إضافة إلى ذلك بجانب صديقها الذي دبر بواسطة أحد أصدقائه في الرياض أمر هروبها.
المعاناة الأولى في مكتب شؤون الخادمات: قمت على الفور بإبلاغ مكتب شؤون الخادمات بعد أن قمت بتعبئة نموذج مخصص لذلك، وقال لي الموظف الوحيد في المكتب (راجعنا بكرة) وعندما راجعته في الغد للمرة الثانية وجهني للبحث عن ورقتي تلك في ملفات كانت موضوعة على أحد المكاتب خارج مكتبه وعندما دخلت ذلك المكتب رأيت مجموعة من المراجعين يتزاحمون على الملفات، انتظرت بعض الوقت على أمل أن يخف الزحام لكني لاحظت أن الأعداد تتزايد، فقلت لنفسي (مالك إلا المدافرة يا ولد) فدخلت بينهم وبحثت حتى وجدت ورقتي بعد أن سقط عقالي ورجعت للموظف الذي قال لي مرة ثانية (راجعنا بعد عشرة أيام)، قلت له لماذا؟ أجابني: هذا هو النظام، راجعته بعد عشرة أيام للمرة الثالثة وأعطيته الورقة، فوضعها في الدرج وقال (راجعنا بكرة)، فحضرت للمرة الرابعة وقال لي: أبحث عن ورقتك في تلك الأدراج التي يبدو أنها بديل عن ذلك المكتب، فوجدت ورقتي وأعطيتها أياه، فوجهني لمكتب آخر أعطاني ورقة لإدارة الترحيل والمتخلفين في إدارة الجوازات. ولي هنا بعض الوقفات والتساؤلات، هل عقم علم التنظيم الإداري عن إيجاد طريقة توفر المشقة على المراجعين؟ وهل تخيل المسؤولون حجم المشقة التي يتحملونها عندما يجبرون على التردد على ذلك المكتب أربع مرات؟ ألم يضعوا في أولوياتهم تقديم خدمات متميزة لهم بتلمس معاناتهم والتخفيف عليهم خصوصا أن المكتب وموظفيه وضعوا لخدمتهم؟
المعاناة الثانية في مكتب العمل: سألت أحد الأصدقاء عن متطلبات مكتب العمل لاستخراج تأشيرة، فأجابي لكنه أشار عليّ بمراجعة المكتب قبل الساعة العاشرة حتى لا تنفذ الأرقام التي يقوم المسؤولون هناك بتوزيعها على المراجعين، فعملت بنصيحته ووصلت المكتب الواقع في شارع الملك عبد العزيز نحو الساعة التاسعة بعد أن أوقفت سيارتي قرب معهد الإدارة!!! فقال لي أحد رجال الأمن أن الأرقام نفذت وعليك بالحضور في الصباح الباكر!! عدت أدراجي وحضرت في يوم آخر الساعة السابعة والربع أي قبل بدء العمل الرسمي بربع ساعة بعد أن أوقفت سيارتي في المكان السابق نفسه، وفي الطريق من السيارة إلى المكتب شاهدت عددا من المراجعين يفترشون البسط ويشربون القهوة على الرصيف المقابل لمكتب العمل!! وقفت أمام البوابة الخارجية التي يتزاحم أمامها العشرات!! وسألت من بجانبي، هل هذا الأمر يتكرر دائما؟ أجابني بالإيجاب، قلت له: ماذا سيحدث بعد أن يفتح الباب؟ قال لي: (عض ثوبك واركض أحجز لك مكان)، بعد لحظات فُتح الباب وبدأ الجميع بالركض، حاولت أن أفعل مثلهم فلم أستطع رغم أنني استعددت لذلك بـ (اللطمة) فكان أقصى ما عملته هو الهرولة كما يفعل الحجاج والمعتمرون في المسعى، لا شك أنها أهون عليّ من الركض، رغم أني شاهدت رجالا كبارا في السن يركضون مع الراكضين، وبعد أن جلس الجميع على الكراسي قام أحد الموظفين بتوزيع الأرقام والاستمارات على المراجعين، لاحظت حينها أن نحو نصف عدد (الكاونترات) فارغة من الموظفين وأن عدد المتواجدين منهم نحو ستة فقط رغم أنهم يخدمون ربع سكان المملكة تقريبا!! أنهيت أوراقي وكانت معاملة الموظف جيدة ولبقة، وهنا أسوق بعض التساؤلات لوزارة العمل، أولها: لماذا لا تفتح البوابة الخارجية للمراجعين في وقت مبكر حرصا على سلامتهم من خطر الطريق وحفظا لكرامتهم؟ ولماذا لا يخدم المراجع في أي وقت يصل فيه؟ وهل عجزت الوزارة عن توفير عشرة موظفين إضافيين لتوفير خدمة جيدة؟ فالناس لا يعرفون وزارة العمل إلا عند مراجعتهم لها في هذا المكتب.
وحيث إن المساحة المتاحة لي هنا ضيقة أقول باختصار أن تلك المعاناة التي يمر بها الآلاف أوجدتها وزارة العمل فهي عندما تشددت في إجراءات منح التأشيرات أوجدت سوقا سودا لتلك العمالة داخل المملكة وحفزتهم على الهروب وحملت المواطنين أعباء إضافية مالية ومعنوية، وهي عندما حرصت على حفظ حقوق العمالة الأجنبية فرطت في حفظ حقوق الكفلاء، وهي رغم عقم إجراءات الاستقدام الحالية أبقتها دون تغيير، وأتساءل للمرة الأخيرة: ألم يحن وقت تأسيس شركات كبرى تستقدم العمالة المنزلية على كفالتها و من ثم تؤجرها لمن يحتاج إليها؟ وهل يكفي ستة أو سبعة موظفين في الاستقبال لخدمة أربعة أو خمسة ملايين نسمة؟ هل تعلم الوزارة أن بطء إجراءات الاستقدام لمن هربت عاملته يضطره إلى الاستعانة بأخرى هاربة؟!