فضائيات المزايين
لا أقصد بالمزايين .. نسوة بعض الفضائيات اللائي لم يفهمن من التحضر والتقدم إلا التنافس بالملابس الفاضحة والمساحيق الصارخة والتخلي عن عفة الجسد والروح واللسان بالغمزات والتراقص والميوعة.. ذلكم شر، يبدو أنه لا بد من الصبر على بلائه، لأنه عرض من أعراض أمراض حضارة هذا العصر.
إني أعني بفضائيات المزايين .. القنوات التي أخذت تتنافس في سماء البث إكراما لعين "مزايين الإبل" فقد حولتها هذه الفضائيات من رياضة ترفيهية شعبية إلى مناسبة جاهلية تتنابز فيها القبائل والهجر والقرى بالألقاب وتلعلع على رؤوس الأشهاد أصوات النعرات العصبية، كما لو كانت هذه الفضائيات أسواق العرب قبل الإسلام حيث التبختر والخيلاء بشم الأنوف والعزة القعساء!! كما أضحت مواقع مسابقات مزايين الإبل أماكن لتسويق الحزازات والعصبيات والتباهي والتغني بالأنساب واستدراج أصداء المنازعات والمشاحنات البائدة البغيضة وإحياء إرث الجهالة والانتخاء بفلان أو علان وبمجد الغارات والغزوات التي انهزمت فيها هذه القبيلة أو انتصرت فيها تلك!
وإذا نحن تجاوزنا هذه الردة غير الحضارية وتأملنا فيما وراءها وما يحيط بها من الاتجار بالإبل وما بات معروفا عن الأسعار الخيالية التي أصبحت أثمانا اعتيادية لهذا البعير أو ذاك. وإذا كانت التجارب قد برهنت على إن أية سلعة تقفز بأسعارها عاليا على حين غرة، بحيث تتضاعف مئات المرات، فقد يعني أن نشاطا مشبوها يجري وراء هذا الارتفاع المهول في الأسعار وقد يكون غسل أموال أو نحوه.. وإلا فما الذي يبرر قفز بعض أسعار مزايين الإبل أو الواعد منها إلى مبالغ طائلة؟ ولماذا فجأة يتهافت البعض على الاتجار بالإبل وهو الذي لم يكن أبدا من اهتماماته؟
هناك نقطة ثالثة تتعلق بما يدور من نشاط البيع والشراء أثناء هذه المناسبات فقد تحولت إلى ساحات لتسويق ما هب ودب من سلع على نحو فوضوي بعيدا عن الرقابة الصحية والأمنية والبلدية وبعيدا عن المتابعة والإشراف على ما يتم من أنشطة، يندس فيها ما هو غير صالح للاستهلاك الآدمي، بل ما هو مؤذ وخطر أحيانا، فضعاف النفوس، في ظل غمار هذه التجمعات، خصوصا في المواقع البعيدة قد يجدونها فرصة ثمينة لترويج المخدرات وغيرها من الممارسات اللا أخلاقية.
هذه المحاذير الثلاث، رغم ما فيها من مؤثرات سلبية ومخاطر محتملة، لا تعزف على وتر إلغاء أو منع نشاط مسابقات مزايين الإبل وإنما الحرص عليها .. فهو تقليد ثقافي من مأثورات بلادنا .. أصبح له جمهوره وله سمعته وأصبح يلاقي اهتماما من الناحية السياحية على وجه الخصوص.
لهذه الأسباب الإيجابية، وبسبب من تلك المحاذير لا ينبغي تركه لحال نفسه تتلاعب به الأهواء والغرائز والمقاصد غير السوية وتفسد عليه جماله وقيمته الثقافية ولذلك، أتمنى على، إدارة الثقافة في الحرس الوطني، باعتبارها المعنية بإقامة مهرجان الجنادرية (المهرجان الوطني للتراث والثقافة) الذي بدأ أساسا فعالياته بمبادرة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حين كان وليا للعهد ورئيسا للحرس الوطني.. وكانت أولى تلك الفعاليات هي سباق الهجن، وتواصل المهرجان هذا وعقد حتى الآن 22 مرة، لذا .. أتمنى على هذه الإدارة إيجاد تنظيم أو إدارة معنية بضبط هذا النشاط وتنظيم مناسباته وتحديد مواقعها والإشراف عليها وجدولة فعالياته ووضع دوري له إن أمكن .. وأظن هذا التدخل الرسمي المباشر كفيل بتصحيح مسار الممارسات المعوجة المستغلة لأجواء هذا النشاط وكفيلة أيضا بحمايته وصيانته والدفع به قدما ليصبح مناسبة بهيجة تسر من يحضرونها وتسر من يشاهدونها في فضائيات المزايين، إن كان ولا بد!