جامعة الملك سعود .. قيادة التغيير والبحث عن التميز
أتيحت لي فرصة لقاء معالي مدير جامعة الملك سعود الدكتور عبد الله العثمان والاستماع إلى تفاصيل رؤيته المستقبلية للجامعة للسنوات الـ 50 المقبلة. كان هذا بمناسبة انعقاد اللقاء الثالث لأقسام التخطيط الحضري والإقليمي في الجامعات السعودية. وقد لفت أنظار الحضور بتميزه في طرح أفكار لم نعتد على سماعها وموضوعات جديدة وأهداف استراتيجية ومنهجية واضحة لما يجب عمله. كيف، متى، وأين! وعلى الرغم من أنني ألتقيه للمرة الأولى إلا أن فلسفته في العمل تبدو واضحة بوضوح شخصيته البراغماتية وحديثه العفوي دون تنميق ولا تزييف بمنتهى الشفافية خارج التصنع الرسمي ولكن بعمق التجربة والخبرة وقوة الملاحظة والقدرة على التحليل. تشعر وهو يتحدث أنه يستمد قوته وتأثيره من قدراته الشخصية وفكره وفلسفته عن العمل ورؤيته الواضحة الجلية للمستقبل وتطلعاته وأمانيه للجامعة وليس من مركزه الوظيفي وحسب. لقد شدني حديثه المفعم بالأماني والأحلام المستندة إلى الحقائق والأرقام، ففي كل مرة يذكر فيها فكرة جديدة يسوق عدة أمثلة من هنا وهناك ويروي قصص نجاح تدفعه وتحفزه إلى الانطلاق وكأن لسان حاله يقول "إذا كانوا يستطيعون فعل ذلك فنحن نستطيع بإذن الله". إنها ممارسة القيادة الإدارية في نموذجها المثالي وهو رسم المستقبل ووضع خريطة ترشد الجميع لما ينبغي عمله. هذا ما نفتقده في كثير من المؤسسات الحكومية استراتيجية واضحة المعالم تحكي أحداث القصة قبل وقوعها! فيعلم كل دوره ويتحسب للمواقف المختلفة ويستعد بردود أفعال صحيحة، بل في ظل وجود استراتيجية لا يكون هناك ردود أفعال، وإنما مبادرات إيجابية واستباق لأحداث تغييرات مرغوبة يكون فيها الهدف واضحا، مطلوبا، واقعيا، ومتفقا عليه ومن ثم البحث عن بدائل لتحقيقه إنها عقلية معالجة المشاكل بالتفكير في عدة اتجاهات وليس في اتجاه واحد يكبل الطاقات ويكبت الإبداعات ويحجم الفعل الإنساني ويجعل الأفراد يدورون في فلك ضيق من الحلول وعدد قليل من البدائل. إن العمل الجاد والمؤثر يقتضي المبادرة والتأثير في مجريات الأمور بدلا من الانتظار إلى حين سيطرتها وبعدها تُفقد القدرة على التحكم فيتحول إلى إدارة الأزمات والانغماس في العمل الروتيني الذي يهوي بالمؤسسات في قاع سحيق تحتاج إلى سنوات للانتشال منه ليبقى هؤلاء المديرون في هذه الهوة الإدارية أسرى للإجراءات الروتينية التي لا تقدم ولكن تؤخر. وهكذا تتوالى الأزمات وتتراكم المشاكل فلا يكادون يخرجون من واحدة إلا ووقعوا في أخرى ليتحول الحديث من التنمية والتطوير إلى معالجات آنية وقرارات شكلية جلها للتلميع الإعلامي!
إن التحدي الكبير في رسم استراتيجية بعيدة المدى مثل تلك التي يقوم بها الدكتور العثمان يتمثل في أن المتغيرات تكون أكثر غموضا وصعبة التنبؤ وتنطوي على صناعة قرارت حاسمة ومؤثرة في مسيرة الجامعة، عندها تكون أفضل طريقة لإدارة هذه التغييرات المستقبلية هي إحداثها! وهذا النوع من أصعب القرارات لأنه يتطلب قدرة على استشراف المستقبل وتصوره وإقناع الآخرين الذين قد لا يملكون ذات القدرة على الرؤية والنظرة المستقبلية على الإيمان بها وتحفيزهم نحوها. هذا التحدي الكبير للقرارات المستقبلية جعل الكثيرين ممن هم في مناصب قيادية يتهربون منها ويتحولون إلى ممارسة أدوار الإدارة الوسطى! فينغمسون في الروتين ولا يلتفتون إلى المستقبل لأنهم لا يمتلكون ملكة الإبداع ولا يجلبون أفكارا وفلسفة ومنهجا واضح المعالم لما ينبغي عمله ففاقد الشيء لا يعطيه! والبعض الآخر من القياديين تكون نظرته قاصرة لا تتعدى الروتين اليومي، يهاب المستقبل والخروج عن المألوف يؤول الإجراءات بطريقة سلبية يمليها عليه البيروقراطيون الذين يلتفون من حوله ليسلبوه صلاحياته من دون أن يشعر بذلك! كل ذلك بسبب الحذر الشديد واهتمامه على المستوى الشخصي بعدم الوقوع في الخطأ فيعمد إلى عمل أقل القليل ولا يجرؤ على القيام بمغامرات محسوبة ومبادرات شجاعة ينقل فيها مؤسسته إلى آفاق أرحب ومستويات أعلى من الأداء والإسهام في تنمية المجتمع. أنهم أسرى المركز الوظيفي فكل شيء من حولهم يرونه من خلال مراكزهم وليس من خلال فكرهم وفلسفتهم كقياديين، ولذا يتقاعسون بل لا يقدرون على توجيه مؤسساتهم وأخذ زمام المبادرة في استكشاف المستقبل ووضع تصور كيف ستكون عليه مؤسساتهم ودفع الجميع نحو الهدف الاستراتيجي المشترك. هذا النوع من أصحاب المناصب العليا ولا أقول القياديين له قدرة فائقة على إيجاد المبررات بمنتهى المنطقية لتعليل عدم المبادرة في إحداث التغييرات المطلوبة والمراوحة في المكان نفسه، همه المعاملات الورقية الصورية التي تدور في حلقة مفرغة من الإجراءات الروتينية دون أن تسهم في تحقيق القرارات الاستراتيجية. بطبيعة الحال هؤلاء ليسوا بقياديين ولا حتى بمديرين، إنهم موظفون مجرد موظفين فقط لا غير!
ما استرعى انتباهي في حديث الدكتور العثمان هو قراءته لتاريخ الجامعة بكل إيجابياته وسلبياته وتحليل الإمكانات والفرص والتحديات والعوائق لينطلق بعد ذلك ليقول مضى 50 عاما منذ إنشاء الجامعة وقد حققت إنجازات تتواءم مع ظروف الفترة ومعطياتها كان فيها التدريس الوظيفة الأولى والتأسيس للبنى التحتية والضروريات وحان الوقت للانتقال إلى مرحلة جديدة، مرحلة تقوم فيها الجامعة بادوار تتعدى مهمة التدريس إلى البحث العلمي التطبيقي وتطوير برامج الدراسات العليا والتأسيس لشراكة حقيقية مع المؤسسات الأخرى خاصة مؤسسات القطاع الخاص. لقد أدرك كقيادي يرغب في تحويل الجامعة إلى مؤسسة منتجة بما تحمل هذه الكلمة من معنى ووضعها على المسار الصحيح، كان لا بد من البحث عن موارد ومصادر جديدة خارج المنظومة الرسمية تمكنه من القيام بما يجب القيام به. لقد صرح بكل وضوح أن هناك علاقة بين المدخلات والمخرجات، فمن أجل تحقيق الأهداف يلزم توفير المتطلبات الأساسية أولا وقبل كل شيء، في إشارة إلى أنه يسعى إلى رفع مستوى رواتب أعضاء هيئة التدريس حسب معايير الجدارة. هذا الترابط المنطقي لنظام مبني على المدخلات والمعالجة والمخرجات ومراحل متتابعة يسهل مهمة الإنجاز ويبين المطلوب لأداء العمل. من هنا كان بحثه عن مصادر جديدة إحدى مهامه الرئيسة فكما أشار يجري اتصالات بخبرات عالمية في الاستثمار المالي تساعده على تحقيق ذلك. إن قدرة القيادي على جلب موارد جديدة هو أحد معايير النجاح إذ يُكسب مؤسسته درجة أكبر من الاستقلالية في صنع القرار، ما يعني أن القرار سيكون أكثر واقعية واستجابة وفاعلية وكفاءة. الاستقلالية في صنع القرار تعني قوة التأثير على مجريات الأمور وبالتالي تسييرها في الاتجاه المرغوب. إن الاستحواذ على مصادر جديدة تمنح المؤسسة طاقات جديدة تمكنها من السير في الطريق الذي اختطته وبالسرعة المطلوبة وبالاتجاه المطلوب. هكذا يستطيع القياديون وضع السلم على الحائط الصحيح! لقد أثلج صدري وجود مدير جامعة وطنية بعقلية اقتصادية تربوية مستقبلية التوجه همه تحقيق إنجاز بإحداث تغيير نوعي. لقد فهم حقيقة دوره القيادي وهو بلا شك دور صعب مليء بالتحديات والعقبات وأولها إعادة تثقيف للمؤسسة ببناء ثقافة جديدة تقوم على أسلوب جديد في التعلم والسلوك وطريقة اتخاذ القرار. وأظن أن ذلك سيكون أحد أهم التحديات الكبيرة التي سيواجهها الدكتور العثمان إذ إن هناك البعض ممن يصعب عليهم التحول إلى أنماط جديدة من السلوك والقيم لأنهم لا يحبذون الخروج عن المألوف. إنه نتاج تراكم سنوات طويلة من عمر الجامعة، ولذلك من المتوقع أن حتى أولئك الذين ظلوا لسنوات طويلة يطالبون بالتغيير ويعلنون تذمرهم من حال الجامعة سيقف الكثير منهم في وجه التجديد لأنهم أصبحوا لا يحسنون سوى النقد السلبي وتثبيط العزائم ويتوارون وراءها يسعون جاهدين لتعطيل مشروع التطوير. هذه فرصة مواتية لجامعة الملك سعود أن يكون مديرها الجديد بهذه الخصائص القيادية المميزة وهذه الرؤية التطويرية والدافعية نحو الإنجاز وتحقيق الأفضل للتحول إلى جامعة ذات تصنيف عالمي عال. أتفق مع توجهات معاليه، وربما هذا ما دفعني للكتابة عن رؤيته المستقبلية للجامعة، إضافة إلى حيادية رأيي لأني لست من منسوبي جامعة الملك سعود.