يا آنسة ميجان: ماذا عَمـِلـَتْ لك السعودية؟!
* أهلا بكم في مقتطفات الجمعة - 199، وأرجو أن تنال رضاكم.
***
* أيها الإعصارُ "جونو" من أرشدك إلى طريقنا البعيد عن الأعاصير الماطرة؟ ما الذي جرى في الكوكب؟ كيف لفتْ الأرضُ على محورها؟ إن منظر الموجات الماردة تأكلُ الساحلَ بضراوة، والأشجارُ تتطاير، والناس يتساقطون، والشوارع تنقلع من أحشاء الأرض، والرفوف المعدنية تتطاير من الأكواخ، ليس منظرا غريبا علي، فزياراتي للمناطق الاستوائية في حوض الهادي عرفتني بالمشهد الكوني العنيف.. ولكن أن ترى المنظر في عمان، وترى ولاية مسقط وكأنها "جاوة" أو "إيلو إيلو" في الفلبين، وترى الجسرَ المهيب في مسقط "القرم" ينشطر نصفين مثل فطيرة ساخنة، وأنهارا غضبى هادرة من سفوح الجبال في وديان مدن عمان الكبرى، والناس يفزعون.. فهو من رسائل السماء. هذا التغيرُ المحوري البيئي يحتاج إلى إجابة وتكاتف دول الخليج.. كنت أود لو تضافرت مع عمان، أو لو أن عمان سمحت لهذا التضافر أن يكون. وعندما يرحل جونو.. أرجو أن يعكف مسؤولو الأرصاد عندنا لإيجاد حلين: كيف يأتي؟ وكيف الوقاية؟ .. يبدو أن جونو سيزيد أعباءَ العمل!
***
* في الندوة التي عقدت في الرياض عن السجين والمجتمع، دار في رأسي هذا السؤال، هل السجن فلسفة عقابية؟ أم منهج إصلاحي؟ أم هما معا؟ هذا ليس هو السؤال، لأن السؤال الأدق ملمحا وتقديرا ووضعا وتطبيقا، وهو كيف نعاقب إن كنا سنصلح؟ فهل سيعمد المذنبون إلى العمل الإجرامي لأنهم يعرفون أن لا عقاب في السجن وإنما إصلاح، فيفقد معناه الردعي؟ أم يفوق العقابُ كما هو سائد في المنطق العام، وفي فلسفة تأريخ السجون بإحلال العقاب الصارم حتى يمتنع المجرم ( خوفا ) ويكون أيضا تحذيرا يضرب في قلوب من قد يفكر في ارتكاب أي جرم، وهنا أين يكون الإصلاح؟ وخصوصا أنه، كما استنتجتُ من قراءةٍ نفسيةٍ في "الإعداد النفسي التربوي والإصلاحي" أن تجمع العقاب أثناء الإصلاح. ومع ميلي الشديد أن يخرج السجين عضوا صالحا في المجتمع، فربما كان هناك أيضا ندوة أخرى يشترك بها إخصائيون محليون وعالميون لوضع الحدود الدقيقة بين الاصطلاحين والمنهجين، مع تصنيف نوعية المجرمين، من يقومون بأعمال أشد خطرا على المجتمع فيكون الميل للعقاب، ومن يكونون أقل خطرا ومساسا بالجموع فيكون الميل للإصلاح.. مع الاعتراف بأن أي سجن هو عقاب في ذاته.
***
* وفي مكالمة مع مدير عام السجون اللواء الدكتور علي بن حسين الحارثي، أثرت له ما لفت نظري من ابتسامته الأخاذة عندما تصارح المحاضرون والمداخلون حول حالة السجون، وناقشت وإياه معنى الابتسامة مع صرامة رجل مثله وفي منصبه، طبعا غلب عليه الخوف من الادعاء، وتهذيب غالب، ولكني رأيتها ترجمة لشخصية مجبولة من قوة الضمير، إنها القدرة على حب البشر والأخلاق التي تصون أمن البشر، وضبط هذين العاملين بصرامة لا تحيد، وبإيمان وجداني عميق، وأظن، من قلبي، أني كنت صادقا وأنا أقول له: "أن آلاف السجناء في البلاد هم أمانة عندك".. ويا لها من مهمة، فأنا ارتعدت من مجرد قولها. للمهام رجالها متى ما أُحسن اختيارهم، وأن فشلَ مهامٍ وطنيةٍ يقع في المقام الأول من قلة التوفيق في اختيار الشخصية المناسبة القادرة.. ولو قـُدِّر لمن يعرف اللواء الحارثي أن يعيد خيار من يملأ منصب مدير عام السجون.. لأعاده بلا تردد!
***
* لم أعرف تماما قصة الدكتور عبد الله الرزين مع السجناء والاهتمام بهم، وهو الأكاديمي الجامعي.. ولم يعتن هو بإسهاب عن نفسه، ولا عن دوره، وكان متواريا، ولكني كنت أشعر بقوة حضور له في كل القاعة. شيء في روحه يجعله يتطوع إنسانيا، كما أقدر، لتكريس جهد لرفع قيمة السجين في البلاد.. على أنه لا يبوح به، وكأنه "سجـَنَ" الطموحَ الفردي، والظهورَ الشخصي، وراء قضبان. هل نطالب بتحرير هذه الروح المهمِّشة للذات؟ لا، لست متحمسا لذلك.. ولا هو!
***
* الدكتورة أسماء بنت عبد العزيز الحسن، أثارت موضوعا في ندوة السجين والمجتمع، تقف له حبيبات الجلد. حدثتنا عن وضع السجينات السعوديات، وتطرقت لظاهرة أخرجتها بشجاعة وبلا مواربة من تحت الرمال، ونفضت عن عيوننا كل ما قد يشوب نظرنا من غبار، حول سعوديات يهربن من بيوتهن مع رجال غرباء إما حبيب مزعوم، وإما فتى أحلام، وإما إجبار مخلوط مع الرغبة الدفينة، وأوردت إحصاءات موثقة. على أنها أوردت السبب الأول، وربما الأهم، وهو فقدان دفء العاطفة، وسياج الحماية الحادبة في المنزل وبالذات مِمَن يجب أن يكون المانح الأول لهذا الشعور الغريزي "الأساسي"، الأب. وعندما تفقد البنت الحنان ستطلب هواء العاطفة في الخارج. الدكتورة أسماء علقت الجرسَ على عنق ضمير الأمة.. فمن يسمعُ دقَّ الأجراس؟
***
* وتكتب محررة جريدة لوس أنجلس تايمز "ميجان ستاكMegan K .Stack "، بعد عدة زيارات للرياض مقالا ظهر في السادس من يونيو الجاري بعنوان" السعودية، رأي من وراء حجاب In Saudi Arabia, a view from behind the veil " تعتب على ما آل إليه حالُ النساءِ في مجتمعنا، وعن إغفالنا لنصف المجتمع، وتهميش وجوده، وكيف أنها يوما طـُردت من محل "ستار بكس" في مركز تجاري تحت أنظار لابسي "الكوفية المنقطة الحمراء" حين تقدم العاملُ ومنعها من الجلوس في الصالة المفتوحة، وكيف أنها حملت ضغينة ضد جنس الرجال بسبب التأثير السعودي، وهي تتعجب أكثر أن بعض السعوديات المتعلمات يقبلن سيادة الرجل، وإلغاء حق المشاركة والتصويت في المجالس البلدية.. وتنقل امتعاض بعض الرجال السعوديين المتعلمين وزوجاتهم من خنق الصوت والرأي النسائيين. ولأن السعوديات لا يتحركن ويضممن أعطافهن- كما أترجم لك متصرفا- فإنها أيضا تلوم المملكة العربية السعودية لأنها أصابتها بالترهل:" The kingdom made me slouch " . مقال يستحق القراءة، للتعرف على زاوية جديدة. يبقى سؤال: ما الذي يدفع هذه الشابة الأمريكية إلى أن تعدد الزيارات؟ ثم .. أين محرمها؟!