الدَّيـن العـام.. هل نقيسه على إيرادات الدولة أم الناتج المحلي؟
ندعي أن مجتمعنا السعودي له خصوصياته التي يتصف بها مختلفا بذلك عن الكثير من المجتمعات الأخرى. وينصحنا علماء الاجتماع بالحذر من إدخال عادات وتقاليد مغايرة فجأة، فهي قد تضر بالاستقرار الاجتماعي بغض النظر عن صوابها في مجتمعات أخرى. وما ينطبق على علم الاجتماع ينطبق على الاقتصاد. فليس الاقتصاد السعودي يشبه تماما أي اقتصاد آخر. فنظامه يختلف عن الأنظمة الأخرى، ولهذا فمعالجة أموره يجب أن تختلف. فليس استعمال وسائل معينة ونجاحها في اقتصاد ما بالضرورة سيكون مماثلا في الاقتصاد السعودي. لا بل أحيانا استعمال وسائل إصلاح ما في اقتصاد ما قد يكون ضارا إذا طبق في الاقتصاد السعودي.
إذن دعنا نبتعد عن أخذ الوصفات الجاهزة والموجودة بكثرة على رفوف مكاتب المؤسسات الدولية بالذات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وغيرهما من أجل معالجة المشكلات الاقتصادية التي تواجهنا لدفع عجلة التنمية بالسرعة القصوى المتاحة. ولهذا فمعرفة اقتصادنا معرفة جيدة من خلال مؤشراته الكمية، وكذلك من خلال صفاته النابعة من بيئتنا الاقتصادية هي ضرورة ملحة من أجل إيجاد العلاج الناجع.
يتصف الاقتصاد السعودي بصفات تختلف جذريا عن غيرها في الاقتصاديات الأخرى، ومنها:
1 ـ حين بناء النماذج الكمية الاقتصادية بالذات يعامل دخل الدولة بأن حجمه يقرر من داخل تفاعل عوامل النموذج الاقتصادي، أي أن قيمته هي نتيجة للتفاعل بين وسائل الإنتاج في الاقتصاد وقيمته كذلك ليست مستقلة عن قيمة الناتج المحلي الإجمالي. ولهذا يشخص إيراد الدولة بأنه متغير يحدد من داخل الأنموذج Endogenous Variable. في حين أنه يجب أن يعامل في الاقتصاد السعودي بأن قيمته في الحقيقة تقرر عن طريق دخل البترول خاصة والذي تقرر قيمته كذلك من خارج المملكة أي يعتمد على ما يحدث في الاقتصاد العالمي. وهذا يعني أن الدولة السعودية اقتصاديا ليس لها سيطرة، إلى حد ما، في تقرير قيمة دخلها. ولهذا يحسب دخل الدولة في السعودية كعامل متغير يقرر من الخارج Exogenous Variable لا يقرر من داخل تفاعل الأنموذج الاقتصادي.
2 ـ تحسب قيمة دوران النقود عادة بقسمة الناتج المحلي الإجمالي على عرض النقود في فترة معينة. غير أن تطبيق هذا التعريف في الاقتصاد السعودي سيؤدي إلى إعطاء نتيجة خاطئة وصورة مضللة عن قيمة دوران النقود، والتي تمثل كفاءة القطاع المالي بالذات في توظيف عرض النقود لخدمة النشاط الاقتصادي في البلد. ولهذا فمنذ عام 1977 بدأت مؤسسة النقد العربي السعودي بحسبة دوران النقود بنسبه إلى الناتج المحلي غير النفطي. وهذه هي الطريقة السليمة آخذة في عين الاعتبار صفة خاصة من صفات الاقتصاد السعودي. ما ذكر أعلاه هو للإيضاح أن التشخيص السليم هو الطريق الأسلم لمعالجة أمر ما في الاقتصاد وليس الاعتماد على وصفات جاهزة يعتقد البعض أنها تصلح لكل اقتصاديات العالم في جميع الأزمان.
يعتبر اقتراض الدولة (الاستدانة) في كثير من الأحيان وسيلة من وسائل الإصلاح الاقتصادي، فهي مثلا تسحب السيولة الزائدة من السوق أثناء فترة التضخم وتوجهها لمدخرات الأفراد والمؤسسات عن طريق إصدار السندات الحكومية وغيرها من وسائل. وهي وسيلة لزيادة قدرة الدولة على الاستثمار في تكوين رأس المال الثابت بالذات لزيادة القدرة الإنتاجية في الاقتصاد. وليس من المنطق اقتصاديا أن تستدين الدولة للصرف على الأمور العادية الجارية. ولكل عادات وتقاليد استثناءات طبعا نابعة من ظروف البلد الخاصة في زمن معين.
استدانت حكومة المملكة، مثل الكثير من حكومات العالم، في فترة الثمانينيات الميلادية ومن صفات ذلك الدين العام:
1 ـ إنه بدا دينا عاما لجهات دولية ومحلية وانتهى الآن إلى أنه محلي فقط.
2 ـ بدا كمصدر إضافي لإيرادات الدولة لمقابلة التزاماتها العادية والعاجلة وليس من أجل تكوين رأس المال المنتج ولهذا تضرر الاقتصاد منه كثيرا. وللتاريخ فإن حكومة المملكة اضطرت للاستدانة غير أن هذا القول لا يعفيها من أنها استحلت واستسهلت الاستدانة في بعض الظروف.
3 ـ هو دين من البنوك السعودية ومؤسسة التقاعد العامة ومؤسسة التأمينات الاجتماعية بالذات، وما تبقى منه وهو جزء بسيط أتى من الشركات المحلية.
4 ـ لقد استطاعت الدولة تخفيض نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي من نحو 100 في المائة إلى 28 في المائة في الوقت الراهن، مع أن حجمه بالمطلق انخفض فقط ما يعادل 50 في المائة، من نحو 670 مليار ريال إلى نحو 336 مليار ريال الآن (توصلت إلى رقم 336 مليار ريال بافتراض أن الناتج المحلي الإجمالي هو نحو 1.2 تريليون ريال في أوائل 2007، واعتمادا على تصريح وزير المالية بأن الدين العام يعادل 28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي). وهذا يعني أن الزيادة الحادة في الدخل من البترول أدت إلى نمو في الناتج المحلي الإجمالي مع ثبات الاستدانة وهذا بدوره قاد إلى تخفيضه بنسبة كبيرة من أن حجم الدين العام رقم لم ينخفض إلا بنحو 50 في المائة.
وهذا القول لا ينقص من قيمة العمل الجيد الذي قامت به الدولة لإطفاء الدين العام جزئيا وهي سائرة إن شاء الله لإطفائه كلية إن دعت الحاجة، كما هي تعلن بين فترة وأخرى.
5 ـ سؤال: هل الدين العام يشمل دين المؤسسات الحكومية المستقلة وكذلك الشركات التي تمتلك فيها الدولة حصة مهما كانت صغيرة أو كبيرة؟
الإجابة عن هذا السؤال ستعطي صورة أوضح لحجم الدين العام والذي يجد الباحث الصعوبة في الحصول على رقمه. فإن ذكر في دورية حكومية في سنة من السنين على استحياء اختفى منها في السنة التي تليها.. ولعمري أن هذا منتهى التناقض. فالدولة ممثلة في ولي الأمر أصدرت القرارات المتتالية تحث الجهات المعنية على نشر وإتاحة المؤشرات الاقتصادية للباحثين وغيرهم، وما زلنا نسمع أن الدين العام يعادل 28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، في حين أننا لا نعرف، بعد، ما هو حجم الناتج المحلي الإجمالي في هذه السنة.
نعيد ونكرر أن الدولة السعودية سجلت أرقى وأنزه طريقة لسداد الدين العام، فهي لم تعلن عجزها عن السداد ولم تحرج على دينها العام كما فعل الكثير من الدول، بل دفعت ما التزمت به للمؤسسات العالمية والمحلية وما زالت، وقد خفضت حجمه طبعا ولهذا لا أجد أي منطق للإخفاء أو التستر أو ذكر رقم الدين العام على استحياء مع كل هذا التاريخ الناصع والنجاح الهائل لسداده. ذكر حجمه علنا وإظهار نجاح طريقة تخفيضه يرفعان من درجة ائتمان الحكومة السعودية أمام العالم (زيادة الثقة) وليس بالإخفاء والتستر والتلميح المثيرة للشكوك. فالنجاح لا يستحى منه، بل يجب أن يعلن ويفتخر به. لكن أين الشجاعة الأدبية والجرأة الثقافية الخلاقة الرافضة لطريقة معالجة اقتصادية صلحت في الماضي غير أنها يجب أن ترمى في سلة مهملات التاريخ الاقتصادي.
تنسب الدول دون استثناء تقريبا، حجم دينها العام إلى ناتجها المحلي الإجمالي. فنقرأ ونسمع أن دين دولة ما يعادل 80 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. ونهجت حكومة المملكة هذا النهج وهي تعلن أن دينها العام يعادل 28 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي. تتبع الدول هذه الطريقة لإعطاء فكرة سريعة عن حجم دينها العام للمتلقي حتى توضح من خلالها حجم التزاماتها المالية. كلما انخفضت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي كان ذلك، إلى حد ما، مؤشرا جيدا على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، فهي تستمد هذه القدرة من نمو الناتج المحلي الإجمالي من خلال زيادة واردات الدولة عن طريق الضرائب المتنوعة بالذات. لكن هل تنطبق هذه الطريقة على المملكة، الدولة التي لا تستمد قدرتها المالية للوفاء بالتزاماتها تجاه الغير من خلال الضرائب المتنوعة؟ هنا تأتي صفة من صفات الاقتصاد السعودي التي لا نستطيع معالجتها بما تعالج به في اقتصاديات أخرى. نظرتي مختلفة هنا فقدرة الدولة السعودية المالية تنبع من إيراداتها عامة ومن قطاع البترول بالذات، ولهذا فمنطقيا يجب نسبة الدين العام السعودي إلى إيرادات الدولة وليس إلى مجموع الناتج المحلي السعودي.
هي فكرة منطقية أكثر ولم أقل أن طريقة نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي خطأ لكنها في حالة الاقتصاد السعودي هي أقرب إلى الخطأ منها للصواب تحليليا. نحن نبحث عن الحل والمعالجة في النهاية والتي لن نحصل عليها دون الفهم الكامل النابع من صفات الاقتصاد السعودي الخاصة به. وبالذات ركائز السياسة المالية فيه. هذه النظرة المختلفة تبدو لي أكثر منطقية وتعطي الصورة الحقيقية لحجم الدين العام ليقارنه صاحب القرار بقدرة المملكة على الوفاء بالتزاماتها تجاه من استدانت منه.
كتبت بالشأن الاقتصادي هذا العام عن تأخير تنفيذ المشاريع وشبح التضخم ("الاقتصادية" 10 مارس 2007) وفك ارتباط الريال بالدولار ("الاقتصادية" 3 أبريل 2007) وها أنا ذا أكتب عن الدين العام مجتهدا كذلك عسى أن يحفز مثل هذا الاجتهاد أهل العلم والمعرفة لمناقشة مواضيعنا الاقتصادية المهمة. فالاقتصاد السعودي يمتلك قدرات كامنة لم تستغل بعد ويحظى بفرص كثيرة لم يستفد منها بعد، ويحتاج إلى شرح وتصحيح بعض المفاهيم والمؤشرات الاقتصادية حتى نكون حقا على بينة من أمرنا.