إدارة أموال "التقاعد" و"التأمينات"
لعل أهم محافظ مالية في المملكة هي أموال المتقاعدين تحت إدارة المؤسسة العامة للتقاعد ومؤسسة التأمينات الاجتماعية، هذه أموال الناس حينما يكونون في أضعف مراحل العمر من العمل والإنتاجية لسد حاجة عائلاتهم حاضرا ومستقبلا، ولذلك فهي على قدر كبير من الأهمية لما في ذلك من تأثير مباشر على سلامة الوضع الاجتماعي في البلاد، نظرا لأسباب تاريخية ربما بسبب حداثة هذه الأنظمة نسبيا وعمر التجربة التنموية في المملكة لم تعط إدارة هذه المؤسسات حقها في المتابعة والتمحيص والشفافية. المراقب اليوم لأوضاع صناديق التقاعد في البلاد الغربية يعرف أن هناك فجوات بين التزامات هذه الصناديق وبين مقدرتها المالية والتي تشمل الاشتراكات وعوائد الاستثمار نظرا لتزايد أعمار المتقاعدين، أول في دول العالم الثالث حيث تبرز مشكلة تآكل دفعات المستفيدين بسبب سوء التخطيط والأداء المتواضعين في استثمار هذه الأموال أو فقدان الشفافية، يجب أن يخالجنا الشك في وجود هاتين الإشكاليتين في أوضاعنا. أحد أهم المشاكل الأساسية هو عدم الوضوح في درجة الاستقلالية من أجهزة وزارة المالية، حيث إن هذه الصناديق (مملوكة) للمستفيدين وليس لوزارة المالية، لذلك فإن الذمة المالية والمسؤولية تختلف تباعا مما يحتم درجة أعلى من الاستقلالية من إشراف أجهزة بيروقراطية قد تكون مصلحتها في عدم الاستقلالية وفقدان الشفافية لما يعرف عن تصميم البيروقراطي على الحفاظ على مكانته من خلال تفادي الشفافية وأحيانا عدم أهليته لصعوبة إدارة الأموال في عالم اليوم.
تستثمر هذه الصناديق في الكثير من حصص مؤثرة في شركات سعودية كثيرة في جميع المجالات مما يؤهلها لأن تحوز على عضوية في مجالس الإدارات لهذه البنوك والشركات. من جوانب تلك الظاهرة توزيع موظفي "التقاعد" و"التأمينات" على عدة مجالس لحماية ومراقبة حصصهم في هذه الشركات، ولكن الواضح أن الكثير من هؤلاء يشاركون في مجالس الإدارات دون تأهيل يُذكر، بل إنه ليس لديهم موظفون من ذوي الخبرة والتأهيل الكافي، فتجد بعضهم يتربع على عضوية إدارة ثلاث أو أربع شركات، البعض منهم مديرو أقسام ليس لها دور فاعل ثم تجدهم على أعلى هرم في هذه الشركات، حيث المتوقع منهم إسداء رأي استراتيجي وتقييم لمن هم أكثر معرفة منهم، النتيجة العملية أن هؤلاء ليس لهم دور يذكر، ففاقد الشيء لا يعطيه، فتجدهم مواظبين على الحضور ولكن ليس هناك ما يقال. فعضو "التقاعد" و"التأمينات" هادئ بدوره والغالب عليه السكينة والوقار، فهو مجرد مندوب، بل إن إحدى هذه المؤسسات وربما كلها لا تدفع رواتب مجزية لهذه القيادات المزعومة؛ وبما أنهم لا يستطيعون جذب الكفاءات اللازمة، فلذلك يلجأون إلى تعويضهم عن ذلك بمكافآت مجالس الإدارات. فهناك عدم وضوح وخلط في الأمور بين القدرات وعدم وضوح بين المسؤولية وأتعابها. الشرح المحتمل لهذه الظاهرة الغريبة التي لا تتماشى مع حجم المسؤولية، أن مجالس إدارات هذه الهيئات الحكومية لم تحسم أوضاع الهياكل الإدارية والطاقات البشرية، أو أن الإدارة العليا لهذه المؤسسات ترغب في الهيمنة الإدارية الكاملة على حساب الكفاءة، فهي قد لا ترغب في أي منافسة. تحدثت الأخبار عن دخول أحد هذه الصناديق في سوق الأسهم بعد نزول المؤشر باندفاع قبل استقرار السوق مما أدى إلى خسائر كبيرة ولعل ذلك بسبب الهيمنة الإدارية الكاملة دون وجود فرصة للرأي المهني المحايد.
تعيش المملكة في ظروف مالية واقتصادية مواتية لأعمال إصلاحية من أجل توظيف مثل رأس المال وحماية أموال الناس مستقبليا التي تحت رعاية "التقاعد" و"التأمينات". ولعل الخطوة الأولى تبدأ بإضفاء مزيد من الاستقلالية على إدارة هذه الأجهزة المالية المهمة، حيث سعت الحكومة بإخلاص لحماية ورعاية هذه المؤسسات ولكن بعد تزايد المتقاعدين وحتى التباطؤ التدريجي للنمو السكاني ليحتم زيادة كفاءة هذه الأجهزة المالية. وضع الحكومة المالي يجعلها ليست في حاجة إلى أموال هذه المؤسسات؛ ولذلك فالحكومة قادرة على منح هذه المؤسسات درجة أعلى من الاستقلالية بعد تطوير أجهزتها الرقابية (فصلها عن الإدارة) وتعيين مجلس مراقبين على درجة عالية من الاستقلالية والخبرة. يتطلب من هذا المجلس المساءلة المباشرة عن أداء إدارة الأموال وتوازن ذلك مع الالتزامات طويلة الأجل. كما أن لدى الحكومة توجها صحيا لبناء مؤسسات فاعلة قادرة على التعامل مع المستقبل، لذلك فإن رفع درجة الشفافية ووضوح إدارات هذه الاستثمارات يساعد فاعلية، ليس استثمار الأموال فقط، إنما كفاءة الاقتصاد السعودي من خلال توظيف أفضل للأموال واستقطاب أفضل للكوادر البشرية المتاحة حتى لو لم تكن سعودية لحين توافر الأفضل. هذه مؤسسات مالية ولذلك بطبعها لا تتحمل الانغلاق وكذلك يسهل قياس الأداء إذا توافرت الشفافية، حان الوقت لإعادة التفكير في إدارة هذه المؤسسات المهمة.