رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل من تنمية تحافظ على البيئة؟

[email protected]

تمثل البيئة عنصراً مهماً في الحياة بشكل عام، لكن إدراك هذه الأهمية يختلف من مجتمع إلى آخر، وتكمن أهميتها في إيجاد المؤسسات التي تعنى بالبيئة باستمرار, إضافة إلى تعليم وتدريب من يهتم بها من متخصصين يدرسون ما ينالها من ضرر، وما تتعرض له من إتلاف على يد الإنسان، أو بفعل العوامل الجغرافية من رياح، وسيول جارفة، وحرارة، أو بفعل المصانع، والمركبات ومخلفاتها التي تزداد يوماً بعد يوم في كل أنحاء العالم. كما أن الاهتمام يتعدى الدراسة والتشخيص لواقع البيئة إلى السعي إلى منع الأضرار، بل يتناول الجهود التي تبذل لإنماء البيئة وإعادتها إلى وضعها الطبيعي الذي تكون فيه الخضرة على أحسن وضع، والهواء في أفضل صورة، والماء على أحسن حال. وسعياً من الإنسان لإصلاح ما أفسده بيده، واستجابة لمخاوف بدأ يحسها ويجد أضرارها في صحته، وفي مأكله، أوجد تشريعات ونظما محلية وعالمية. فهيئة الأمم تعد إحدى الجهات العالمية التي تهتم بالبيئة وتحافظ عليها، ومن أهم ما استحدثته المعاهدات التي تعنى بالشأن البيئي, إضافة إلى المؤتمرات الدولية.
ويحق لنا نحن المسلمين أن نفاخر بديننا الذي سبق كل النظم والتشريعات, حيث أكد وبصورة قطعية أهمية البيئة وضرورة المحافظة عليها، حتى في وقت الحرب فلا يجوز قطع الأخضر، ولا إحراق اليابس, كما نهى الإسلام عن وضع النجاسة في الماء حتى ولو كان نهراً جارياً. ومع تغير الظروف الحياتية في كثير من المجتمعات وكثرة المصانع والمركبات، أصبحت البيئة عرضة للتلوث والدمار والتخريب, ما أفسدها وحولها إلى بيئة مضرة لحياة الإنسان، مسببة للكثير من الأمراض، أقلها الحساسية في الجلد، والجهاز التنفسي، إضافة إلى أمراض خطرة تصيب الإنسان في مقتل, كما يقول المثل.
وبفعل ما آلت إليه أوضاع البيئة في كل أنحاء العالم، بدأ البعض في التحرك بغرض التقليل قدر الإمكان من الأضرار، ووجدت في الغرب حركة الخضر خصوصا في أمريكا، وأوروبا، وتشكلت أحزاب سياسية جعلت من البيئة والمحافظة عليها أساساً لبرامجها السياسية ونشاطاتها، حتى إن بعض هذه الحركات اعترضت على الكثير من التفجيرات النووية, وسيرت المظاهرات بهدف الاحتجاج، والتبصير بالأنشطة الضارة التي من أبرزها ثقب الأوزون، وما يحمله من تهديد للحياة. وتأثر موضوع البيئة وحمايتها سلباً بمواقف سياسية خصوصا لبعض الدول مثل أمريكا التي تعارض الاتفاقيات الدولية، ولا تلتزم بها, وذلك حفاظاً على مصالحها ومكاسبها الاقتصادية التي تدرها مصانعها الملوثة للبيئة.
وعلى الصعيد الوطني لو تأملنا واقعنا لوجدنا أن مدننا تأسست في ظروف اجتماعية واقتصادية، وثقافية لم يكن الوعي بالبيئة حاضراً في تلك الظروف، كما لم تكن الخبرة متوافرة, ولذا تأسست المصانع والمعامل بالقرب من المدن وأحياناً في وسط المدن، أما وبعد أن ارتقى المجتمع في مستوى تعليم أبنائه، ووجد من بينهم من له اهتمام بالبيئة والمحافظة عليها، فأصبح من المسلم به القراءة حول البيئة في الصحف والمجلات، ونسمع في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية برامج تثير موضوع البيئة، كما أن الندوات والمؤتمرات التي تعقد بشأن البيئة تشارك المملكة فيها بالوفود والبحوث وأوراق العمل, لأننا لم نعد مجتمعاً منعزلا، كما أن وعينا وإدراكنا خطورة تلوث البيئة على صحة الإنسان والحيوان والنبات أصبح هماً مشتركاً للجميع. وسعياً من الجامعات في خدمة البيئة أوجدت البرامج والمواد الأكاديمية ذات العلاقة بالبيئة. فجامعة الملك سعود أوجدت مركز الأمير سلطان لأبحاث المياه والتصحر، الذي يعنى بإجراء البحوث والدراسات ذات العلاقة ببيئة المملكة، كما أن جامعة الملك عبد العزيز أوجدت مركز أبحاث البيئة، لكن كل هذه الجهود تبقى نقطة في بحر إزاء المشكلات البيئية التي تواجهها البيئة المحلية. ومع أن مؤسسات الدولة مثل وزارة الشؤون البلدية والقروية, ورئاسة الأرصاد وحماية البيئة، وهيئة حماية الحياة الفطرية وإنمائها فيها أقسام ووحدات معنية بالبيئة، إلا أن الجهود المبذولة بشأن حماية البيئة والمحافظة عليها أقل مما يجب وإلا لما شاهدنا التلوث يحيط بأجوائنا، والمستنقعات تنتشر في أجزاء كثيرة من المدن، وأحياناً كثيرة داخل الأحياء السكنية. وأعتقد أن السبب يعود ربما لتداخل الصلاحيات بين الجهات المتعددة، إذ إن كل جهة ربما تلقي باللائمة والمسؤولية على الجهة الأخرى, وفي النهاية تكون البيئة ومعها الإنسان ضحية ضياع المسؤولية بين الجهات المتعددة، وفي مثل هذه الممارسات إضاعة للدم بين القبائل.
وحتى لا يستمر مسلسل الإضرار بالبيئة لا بد من تأكيد أن المهمة هي مهمة الجميع أفراداً ومؤسسات. فالفرد يمكنه المحافظة على البيئة من خلال بيئته الصغيرة، بيئة المنزل، وبيئة الحي، وذلك بالمحافظة عليها، أما الجهات الرسمية سواء كانت تنفيذية، أو رقابية فهي المعنية بصورة رسمية، وتقع عليها الجهود الأساسية، ويفترض عدم تعارض جهودها، بل لا بد من التكامل بينها، فتخطيط المدن والمصانع والمعامل والورش وتراخيصها والمجالس البلدية، كل هذه الجهات وغيرها معنية ومطالبة بالقيام بدورها. الجميع علم قبل فترة قصيرة عن التوسعة التي استحدثت في مصنع أسمنت اليمامة، ومع أن المصنع نشأ في مكانه الحالي في ظروف لم تكن فيها مدينة الرياض بهذا التوسع، والتمدد السريع، إلا أن التوسعة تزيد الطين بلة في شأن التلوث، ومن حق الجميع أن يتساءل: كيف تم الترخيص لهذه التوسعة مع أن الجميع يعاني أطنان الغبار التي يقذف بها المصنع قبل توسعته؟! إن تداخل المسؤوليات بين الجهات ربما يعطي فرصة لبعض المسؤولين لتمرير مثل هذه الأمور، وفرضها على أرض الواقع مع إدراك خطرها ومضارها على الجميع وبلا استثناء.
إن التأخر في تنفيذ مشاريع النقل العام, وبالذات القطارات داخل المدن يزيد من تلوث البيئة ويضاعفه، ويعقد الأمور في نهاية المطاف، حتى يجعل من المستحيل تنفيذها في المستقبل، أو تنفيذها بأسعار باهظة تكلف الوطن الكثير من صحة الناس وأموالهم بغرض العلاج، أو بهدف التقليل من الأضرار التي تحدثها ملايين السيارات التي تسير في شوارع مدننا وطرقاتها. كثيراً ما نستشهد بالآخرين الذين سبقونا في كثير من المجالات، فهل نستشهد بهم ونقلدهم ونستفيد من تجربتهم في شيء ليس فيه ما يتعارض مع مبادئنا، بل إنه يتفق مع مبادئنا وفي الصميم, ألا إنه تخطيط المدن وإجراءات ونظم سلامة البيئة. أعتقد أن الجميع يدرك جيداً أهمية بيئتنا, فهل نعمل جميعاً لإيجاد تنمية ذات مردود اقتصادي عال، وبيئة سليمة خالية من الملوثات؟ أعتقد أن بمقدورنا فعل ذلك متى ما وجدت الإرادة وابتعدنا عن الأنانية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي