أمانة منطقة الرياض وسر التميز
لم يكن حصول أمانة منطقة الرياض على جائزة البوابة التقنية والمعلوماتية على هامش المنتدى الثالث عشر للحكومة والخدمة الإلكترونية الذي عقد في دبي محض صدفة، وإنما انعكاس لجهود وأفكار ورؤى تبحث دائما عن استكشاف حدود جديدة وآفاق أرحب في العمل البلدي، بدلا من التقوقع داخل الصندوق والاستمرار على النهج التقليدي ذاته في الاكتفاء بتقديم خدمات بلدية حد الكفاف. من يزور الرياض العاصمة هذه الأيام يجد أن هناك لمسات حضارية جميلة حولت أجزاء من العاصمة إلى أماكن وادعة منسقة حالمة جميلة تنسي زائرها أنه في أحد أكبر المدن السعودية. مظاهر التحضر والجاذبية تجدها في كل بقعة من هذه المدينة العامرة بكل شيء، فهناك محاولات جادة لتغيير وتطوير الرياض العاصمة مطلع كل يوم لتبدو أكثر جمالا وجاذبية على الرغم من ضخامة حجمها وامتدادها العمراني في كل اتجاه وما يتبع ذلك من معاناتها من بعض القصور وسلبيات المدينة الكبيرة من سوء توزيع استخدامات الأراضي في بعض الحالات وتفاقم مشكلة الازدحام المروري وصعوبة إدارة النمو.
وللتخفيف من هذه السلبيات عمدت الأمانة إلى انتهاج أسلوب تعدد المراكز والتصاميم الحضرية التي تكسر حدة شبكة الطرق وتقلل من اندفاع المرور لتشكل واحات تضفي على المكان الهدوء واللطافة وتتحول الساحات إلى أماكن للجلوس والتواصل الاجتماعي في الهواء الطلق. هذه التصاميم البديعة تربط الإنسان بالمكان فيخالجه شعور بامتلاكه وإحساس بالانتماء، هذا الشعور لا يضاهيه أية شعور لسكان المدينة. وفي جانب آخر تشاهد مجموعة كبيرة من الناس تزاول رياضة المشي بكل انسيابية وبانتظام وانضباط اجتماعي في عدة مماشي أعدت خصصيا لذلك. إنها ظاهرة أوجدتها جهود الأمانة وأثمرت في تطوير السلوك الاجتماعي من خلال تهيئة المكان بطريقة يفرض احترامه ويرتقي بسلوك الأفراد، ذلك إن تصميم المكان وأثاث الشارع والإنارة والمواد المستخدمة لها تأثير إيجابي في نفوس المستخدمين ونمط سلوكهم. وعلى أن هذا جدير بالملاحظة، إلا إن الأهم هو فكرة المبادرة في رفع مستوى الثقافة الصحية وتشجيع السكان على مزاولة الرياضة والبحث عن خدمات جديدة ومطورة لم تكن معهودة في السابق. إنه الإبداع والابتكار والبحث عن الأفضل بمبادرات ودافعية كبيرة نحو إيجاد أوضاع أفضل لسكان العاصمة، بتوفير خدمات غير تقليدية وفتح المجال أمام السكان لتغيير نمط حياتهم المعيشي وتفكيرهم حول مفهوم المدينة وانتمائهم وعلاقتهم بها.
وقد يعتقد البعض أن مثل هذه المشاريع أمر سهل ولا يحتاج إلى التنوية والإشادة، لكن إذا ما علمنا أن العمل البلدي مزدحم بالقضايا الكثيرة الطارئة والمشكلات اليومية الروتينية بشكل قد يغرق المسؤولين عن رؤية الأفق ويحجب عنهم التطلع إلى المستقبل واستحداث تغييرات أصيلة، إضافة إلى أن الخروج من نمط اتخاذ قرار بيروقراطي رتيب والتحول إلى فلسفة إدارية أخرى أكثر انفتاحا وإبداعا، هي من أصعب الأمور في الإدارة، وهي في العمل البلدي أكثر تعقيدا، حيث يتداخل فيه كثير من الأطراف وبالتالي هناك الكثير من الضغوط القادمة من كل اتجاه للتأثير في عملية صنع القرار البلدي، عندها فقط يُعلم أن ما قامت به الأمانة هو تجاوز تحديات كبيرة وعراقيل إدارية وفلسفات بائدة تعشش في أدمغة البعض تود أن تبقي العمل البلدي في إطار رصف الطرق وإنارتها وجمع النفايات دون التفكير لا بعد من ذلك. ولهذا كانت دهشة الناس كبيرة عندما أعلن عن "الشارع الذكي" في العاصمة الرياض، الذي جمع بين توفير أماكن للجلوس والمقاهي وفي الوقت ذاته جعل خدمة الشبكة العالمية الإنترنت في متناول الجميع. الدافع من وراء ذلك في ظني هو الإسهام في تحويل المجتمع إلى مجتمع معرفي والتهيئة لاقتصاد رقمي والاستعداد لتطبيق الحكومة إلكترونية. هذا هو جوهر التخطيط الحضري وإدارة المدن، إعداد الحاضر من أجل المستقبل وأن التطوير يكون في مراحل متتابعة، على سبيل المثال لا نستطيع أن نتصور تطبيق الحكومة الإلكترونية بين ليلة وضحاها دون إعادة تثقيف شاملة لجميع الأطراف المتداخلين في العملية وخفض مستوى الأمية في الحاسب الآلي وتبيان أهميته وإيجاد أساليب جديدة تدفع نحو استخدامه. إن مثل هذه القرارات تحتاج إلى بُعد فلسفي في التغيير الاجتماعي ورؤية المدينة من خلال عدة زوايا وفهم أن المدينة تحتمل عدة وظائف تتعدى الوظائف التقليدية. إنه التفكير الإبداعي وسعة الأفق والعمق المعرفي والطاقة المتجددة والالتزام الدائم التي تدفع إلى الخروج عن المألوف من أجل مدينة أفضل تكون أكثر إنتاجا وراحة للسكان.
ما انشده في هذا المقال، توضيح نقطة في غاية الأهمية وهي أن القيادات الإدارية هي عناصر التغيير الحقيقية وجوهر التحول إلى أوضاع أفضل ومحور التنمية الإدارية. إذ تقع على عاتق القيادات الإدارية مهمة التفكير الاستراتيجي والرؤية المستقبلية وتحفيز العاملين من خلال نظام إداري يوضح التوقعات والأهداف ويضع المعايير ويؤسس لثقافة التعاون والتنسيق وحب العمل. إن القيادي المتميز يقود بالقدوة فالقيم الموجودة في أي مؤسسة هي في الغالب انعكاس لقيم وتصرفات القيادي.
ولأن الحديث عن أمانة منطقة الرياض كأنموذج للإدارة الإبداعية لا بأس إن أتحدث عن مناقب وأسلوب أمينها المبدع سمو الدكتور عبدالعزيز آل عياف الذي صبغها وشكلها بأسلوبه الإداري السهل الممتنع وقدرته على الربط بين الجزئيات والكليات، وحضوره الذهني وشخصيته الجذابة وطاقته المتجددة وعشقة لعمل الأشياء الصحيحة بالطريقة الصحيحة وثقافته الواسعة ونظرته الواقعية واعتماده على الحقائق وبحثه الدائم عن حلول توافقية وخلقه الكريم وتواضعه الجم وحبه للناس ومخالطتهم. هذا هو السر الكبير وراء تألقه كقيادي مميز ونجاحه في الارتقاء بالأمانة كمؤسسة ذات قيمة اجتماعية تتعدى كونها تقدم خدمات بلدية تقليدية. وعندما يستطيع القيادي تحويل جهازه الإداري من منظمة إلى مؤسسة يكون قد بلغ قمة النجاح، ذلك إن الناس يرون في المؤسسة جزءا من ذاتهم وتمثل القيم التي يؤمنون بها وبالتالي لم تعد العلاقة أنتم ونحن بين الأمانة وسكان العاصمة الرياض وإنما شعار "نحن جميعا من أجل الأمانة والأمانة من أجلنا". إن الإدارة برؤية واضحة وعزيمة صادقة ورأي حكيم وخلق كريم هي المقومات الأساسية للقيادة الناجحة. خاصية أخرى جديرة بالذكر وهو أنه يؤمن بالعمل الجماعي وروح الفريق الواحد ليس فكرا وحسب ولكن تطبيقا ومنهجا عمليا ولذلك استقطب مجموعة من المختصين والمهنيين المميزين الذين أسهموا بكل اقتدار في تحويل رؤيته وفلسفته في العمل البلدي إلى واقع ملموس. فالرجل القادر المتمكن الواثق من نفسه يبحث عن أمثالة ولا يخشى قدراتهم أو طموحاتهم لأنه دائما في أعلى السلم وفي يده جميع الخيوط. أسلوبه هو وضع الخطوط العريضة وترك مساحات كبيرة من الحرية للإبداع والانطلاق وتوليد الأفكار ومن ثم تهيئة الإمكانات ومنحهم الصلاحيات لتحقيقها. وهنا وقفة مهمة وهي إن مفهوم السلطة لديه ليس للتحكم والسيطرة وإنما هي للمساندة والدعم في إنجاز المهام.
إن هناك من أفنوا سنوات طويلة في مناصبهم دون أن يقدموا شيئا يذكر ومع هذا كان يشار لهم بالبنان لحرصهم فقط على تطبيق الإجراءات والاستكانة إلى ذات الأوضاع ذاتها دون النظر إلى النتائج! هناك مؤسسات ما زالت تدار بالعقلية الروتينية الإجرائية ذاتها دون التوقف ولو للحظة والتساؤل عن جدوى هذه الإجراءات التي قد يكون بعضها سبقها الزمن ولم تعد تتواءم مع المعطيات الحالية. من هنا كانت فكرة إنشاء مركز الأمير سلمان للإدارة المحلية للإسهام في بناء القدرات وتهيئة القيادات المحلية بالمعارف والمهارات القيادية. ولا عجب أن يكون صاحب المبادرة في إنشاء المركز هو نفسه سمو أمين منطقة الرياض! كيف لا وهو أحد خريجي مدرسة رائد الإدارة المحلية سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز رجل التنمية المحلية الأول والقيادي الفذ وراء كل هذه الإنجازات. إنها قيادات صالحة تجلب قيادات صالحة لتتسع دائرة التطوير والنماء، هذا هو سر التألق والنجاح!