القادم أخطر من الإرهاب!
لا نعرف كيف يرى القائمون على قضايا (الأمن الوطني) خطورة بروز ظاهرة الإقليمية والعنصرية والقبلية على مفهوم المواطنة، والوطن الواحد.
هل ما نراه مؤشر خطير وربما يقود إلى إضعاف الوحدة الوطنية عبر بروز ظاهرة قد نسميها (مناهضة الوطنية). هذه الظاهرة لها رموزها من (المناهضين الجدد) في المجتمعات الخليجية، فهم يوجدون في مسابقات الشعر والإبل، وفي التكتل لأجل الشفاعات في قضايا القتل، وحتى في الانتخابات، ولا ندري ماذا يخبئ المستقبل من (تطور نوعي) لهذه الظاهرة.
هذا القادم هو أخطر من الإرهاب، لأنه ينبع من المجتمع وتدعمه قوى في المجتمع، بعكس موجات الإرهاب الخطيرة الإجرامية التي يقف المجتمع والدولة ضدها دون هوادة، ولا نشك أننا ماضون في القضاء عليها إذا استمر هذا الموقف الواحد.
مثل هذا الموضوع يجب أن يجعلنا حذرين ومتيقظين لأن ما أنجزناه في العقود الماضية كبير جدا، فقد كنا في سباق لأجل إيجاد الوطن الواحد للشعب الواحد، والرصيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي تراكم في هذه العقود هو رأس مالنا الذي نضيف إليه الكثير الآن حتى تجد الأجيال القادمة المقومات الرئيسية للحياة الكريمة.
الغريب أن ظاهرة مناهضة الوطنية تبرز أشراطها الآن ونحن نرى ما يدور حولنا وقريب منا بالذات في العراق، فتقسم العراق إلى مناطق وطوائف وفئات، قاد هذا البلد المنكوب إلى التدمير الشامل متجاوزا بمراحل ما دمرته سنوات الحرب وسنوات حزب البعث، وتقود العراق إلى مستنقع حرب أهلية طاحنة، والنهاية هي تحول العراق إلى دويلات متناحرة متحاربة.
علينا أن نؤمن أن (الفتنة نائمة) ورسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم لعن من أيقظها، والفتن تبدأ من أمور مستصغرة لا أحد يلتفت إليها ولكنها تكبر ثم تجر أذيالها، وتستنهض خيلها ورجلها.. وتكون الطامة الكبرى.
السؤال: كيف نقتنع أننا إزاء مشكلة حقيقية؟
قبل عشر سنوات كانت ثمة إشارات تدعو إلى خطورة ارتفاع موجة التطرف الديني وتأثيرها في التصورات والاتجاهات، ولكن لم نأخذ الأمر بالجدية حتى ضربت ظاهرة الإرهاب، والآن قد تتجدد موجة المشكلات التي قد تعصف بمجتمعنا ونحن ما زلنا نظن خيرا بأنفسنا، وربما تكون تغيرت النفوس.. "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
عدم اهتمامنا بالتتبع والرصد العلمي للظواهر في مجتمعنا ربما هو أحد جوانب الضعف التي علينا أن نعترف بها، فاهتمامنا بمراكز الدراسات والأبحاث التي ترصد وتحلل بمهنية وكفاءة عالية مفقود، والمراكز مشتتة على عدة جهات، وإمكاناتها متواضعة، وطرق إدارتها تقليدية، فلا يطبق عليها مفهوم مراكز التجمع الفكري Think Tanks التي تجمع عشرات الباحثين المفكرين وتكون لها قائمة طويلة بالأنشطة طوال العام وتكون فاعلة في التعبئة الفكرية والنفسية.
وعموما عدم الاهتمام بالدراسات والأبحاث مشكلة كبرى لا ننفرد بها بل هي ظاهرة عربية، وهناك العديد من الأزمات والمشكلات التي واجهناها وكان لها الأثر السلبي المتعدي لفترات طويلة، والمشكلات كان بالإمكان الاستعداد لها واستيعابها.. وعدم اهتمامنا بالدراسات كان مثالا حيا عندما فوجئنا بالمحافظين الجدد في أمريكا الذين يديرون أمريكا وأعادوا صياغة سياستها الخارجية بتوجهات جديدة ربما تترك تأثيرات عميقة ورئيسية بالذات في الشرق الأوسط.
عندما أبدينا استغرابنا من ظهور هؤلاء المحافظين المفاجئ (كما اعتقدنا)، هناك من ضحك من بساطتنا وعدم قدرتنا على فهم طبيعة تبدلات وتحولات القوى في السياسية الأمريكية رغم أن لنا مصالحنا الحيوية المربوطة بأمريكا، والسبب هو عدم اهتمامنا بالدراسات والأبحاث التي تخص الشأن الأمريكي، فالمحافظون الجدد كان فكرهم ينمو ويتطور في العقدين الأخيرين مدعومين بأكثر من 70 مؤسسة فكرية ومركز أبحاث.
الآن في الخليج نرجو ألاّ نفاجأ بـ (المناهضين الجدد) للوطنية، فالنقلة الرئيسية الكبيرة لوسائل الاتصال والإعلام وتعديها الحدود والثقافات والمصالح الوطنية ستضيف قوى جديدة للمعادلة السياسية وتؤثر في إدارة العواطف، وكل ما نرجوه هو أن يكون بيننا رجل رشيد ينطلق في مشروع لكبح جماح هذه الظاهرة، فمن حقنا أن نخاف على أمننا ومستقبلنا والمكتسبات التي حققناها، يجب ألاّ تترك الأمور للجهال والباحثين عن النجومية في زمن صناعة النجوم، إننا بحاجة إلى حكمة العقلاء والمبادرون، وجهد المؤسسات المنظم لاحتواء هذه الظاهرة.