رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المواطن والسكن.. نحن في حاجة إلى تطوير أحياء وليس تطوير أراض!

مَن يتأمل واقع التطوير العقاري في المملكة يجد أن السمة الغالبة فيه هي المتاجرة في الأراضي، واستهداف الثراء السريع من خلال ذلك، مع إسقاط أي أبعاد استراتيجية تخطيطية تتلاقى مع احتياجات الحاضر واستشراف المستقبل، في توفير المباني لمختلف الأغراض، وليس الأراضي الفضاء فقط، وكان معظم الناس وما زالوا مفتونين بالاستثمار في الأرض وليس غيرها، إذ يعمد أفراد إلى شراء مساحات كبيرة من الأرض يكون منشؤها الأساسي منحا، ثم يقومون بتخطيطها تخطيطا بدائيا يقوم أكثر ما يقوم على تقليص المساحات المخصصة للطرق والخدمات، ثم تزويدها بالحد الأدنى من المرافق لكي يجري بعد ذلك محاولة بيعها، إما بالمزاد، أو فرض أسعار خيالية وإلزام المساهمين بها، من أجل تعظيم الهامش الذي يشترطه المالك، وأقله السمسرة شراء وبيعا، وينخدع الناس أمام الترويج المبالغ فيه حول أفضلية المخطط على سائر المواقع، وتميزه بالارتفاع، والهواء العليل، والشوارع الفسيحة، والقرب من كل شيء، حتى لو كان على مسيرة ساعة من ذلك، ولا ننسى الصور والمناظر الخلابة التي تنشر أثناء الترويج، والتي تتم استعارتها من ربوع أوروبا .. والشواهد على ذلك كثيرة!
المهم أن معظم تلك المخططات بقيت خالية إلا من عدد قليل ممن اضطروا إلى البناء والسكن تحت إلحاح الحاجة، وظلوا يعانون الإزعاج والتنكيد كلما جاء قادم جديد لبناء منزل! فضلا عن معاناتهم جراء اختفاء معظم البنية التحتية ومعالم التطوير، من كثرة الحفر والردم والتمديد، وتستمر المعاناة ربما عشرات السنين بسبب ذلك، وبسبب بقاء مساحات كبيرة من المخططات في قبضة أشخاص لا يريدون بيعها ولا تعميرها، طالما وجد مَن يتعب لهم، ويسهم في زيادة قيمتها كلما ازدادت المباني في الحي، وفوق ذلك هم لا يخسرون عليها أي شيء، فلا صيانة ولا رسوم، وحتى النظافة تتكفل بها البلديات مجانا، بعكس المباني التي تحتاج إلى صيانة وإدارة، و(وجع رأس)، من جراء ملاحقة المستأجرين، التي قد لا تنتهي بالحصول على شيء، وإن حصل صاحب المبنى على شيء فربما لا يكفي لإصلاح ما خلفه المستأجر!
والخلاصة أن هناك وفرة في الأراضي، وشُحا في المباني، ولو أخذنا مدينة الرياض أو جدة مثالا، لوجدنا أن الأراضي المخططة والجاهزة للتعمير تسبق المدينة بـ 30 كيلو مترا من جهة الأطراف، بينما لا يوجد إلا مبان قليلة متناثرة، الهدف منها الادعاء أن العمران وصل إلى المخطط، وأن به ساكنين، وليس خافيا ما يستتبع هذا التنافر والتناثر العجيب في إقامة الأحياء لدينا من ضغط هائل فنيا وماليا على توفير الخدمات والمرافق لأحياء شبه خالية!
بعد هذه المقدمة، أعتقد أنني وصلت إلى ما أريد التعبير عنه، وهو أننا محرومون مما ينعم به غيرنا في بعض البلدان، وهو التطوير الكامل للحي السكني، بحيث يكون هناك شركات متخصصة تبحث عن الاستثمار الآمن المضمون تقوم بإنشاء الحي بكامله تخطيطا وتطويرا وبناء، بما في ذلك المنشآت الخدمية كالمدارس والمساجد والخدمات الصحية والمرافق الترفيهية، ويكون مشتملا على أحجام متنوعة من المساكن، كالوحدات المنفصلة والمتلاصقة، والمباني المخصصة للشقق على الشوارع الكبيرة، بحيث ينهض الحي دفعة واحدة، ويفتح البيع فيه بعد ظهور معالمه، وتكون مهمة المطورين قاصرة على الإنشاء، أما التسويق والتمويل فتتولاهما شركات متخصصة.
إنني أعتقد أنه لو وجدت في الماضي أو الحاضر أحياء بهذه الصفة فلن يتردد الناس في الشراء والإقامة فيها، لأنهم سينعمون بالهدوء والاستقرار والنظافة والبعد عن الإزعاج، ولكن مما يؤسف له أنه رغم الإمكانات الكبيرة لدى الأفراد والشركات في بلدنا، فإنه لا يوجد حي واحد مطور بالكيفية التي تحدثنا عنها، وكل ما هنالك هو أفكار ورؤى بدأت تأخذ دورها في المخاض حاليا، وأملنا أن تظهر على أرض الواقع، لأنه سيكون لها السبق في استقطاب النخب والفئات المتميزة، وجذبهم إلى تلك الأحياء، شريطة الالتزام بالمعايير التي ذكرناها لإقامة الحي.
على أن من المتطلبات الضرورية للأحياء الجديدة التي تخطط حاليا، أو سيتم تخطيطها مستقبلا، اشتمالها على خدمات تسهم في تعويض ما افتقدناه في الأحياء الحالية، وهو مركز الحي الذي يكون فيه مكتب للعمدة، وآخر لوحدة أمنية، وحديقة عامة تحوي ملاعب رياضية ومضامير مشي، وقاعة يلتقي فيها من يرغب من السكان، وبخاصة المسنين لتشجيعهم على التنزه، وطرد الملل والسأم من حياتهم، والأمل معقود على الأمانات وجهات التخطيط لمراعاة ذلك، أملا في أن يعيش من يأتون بعدنا في ظروف أفضل مما نعيش فيها!
لقد نشط كثير من الأفكار أخيرا، حول هذه الرؤى، وبدأنا نصحو على حقيقة الوضع السيئ للعقار والإسكان، حيث أقيمت المؤتمرات والندوات ومنها المؤتمر السعودي الدولي الأول للعقار (سايرك) وندوة الإسكان الثالثة (الحي السكني أكثر من مجرد مسكن) اللذين تم تنظيمهما في الرياض أخيرا، وحفلا بالعديد من الدراسات وأوراق العمل المتعمقة في موضوع العقار والإسكان، وكان هناك تفاعل جاد مع ما طرح من أفكار ترتقي بمفهوم الاستثمار في هذا المجال، فضلا عن أنه كان هناك تأطير للمشكلة، وتحديد لأسبابها وأبعادها، وسبل الخروج منها، ولم يتبق إلا إعمال الحلول المطروحة وتنفيذ التوصيات التي خرجت بها! والآمال معلقة على هيئة الإسكان، التي أنشئت حديثا، في المبادرة إلى أخذ دورها في التنسيق والرعاية والمتابعة، فالوضع القائم جد مهم وخطير، وآثاره ستكون سيئة على الوطن والمواطن عامة، إن هو لم ينل الاهتمام المطلوب.

والله من وراء القصد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي