رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


لماذا نتقاعد؟!

في غضون السنوات العشر الأخيرة كثر الحديث عن "التقاعد" والرغبة فيه والتطلع إليه. وليسوا قليلين أولئك الذين هرولوا للتقاعد المبكر ولسان حالهم يقول: (نبي نستريح يا شيخ، أو يا شيخة!!).
والغريب في الأمر أنك لو تأملت في طبيعة الأعمال التي يؤديها معظمنا، لما وجدت فيها مشقة ولا مهام النهوض بها ثقيلة متعبة أو حرجة.
إنها في أغلب الأحوال لا تتطلب ذلك الجهد من البحث والدرس والإبداع ولا هي مما يرغم على الانضباط خلف الأجهزة والآلات أو الدوارق وأنابيب الاختبار لساعات طوال نديرها ونراقبها ونشرف عليها في مصانع أو مزارع أو معامل.
وفي ضوء هذا التهافت العجيب على التقاعد، لا تسمع في الغالب من مبرر يشفع لهذا التوق إليه غير (نستريح يا شيخ!!) فلو كانت الرغبة فيه مثلا لأن اهتماما مؤجلا ينبغي الالتفات إليه، أو أن في الذهن مشروعا حان وقت التفرغ له، أو أن ظروفا قاهرة تستدعي ذلك لكان هذا من طبائع الأمور، فالشعوب الأخرى، خصوصا المتقدمة، يسعى أو يتطلع أفرادها إلى أن يتمكنوا من التقاعد، بل هم يخططون له لأن لديهم أعمالا يودون تحقيقها توازي عملهم الذي كانوا يؤدونه في وظائفهم وربما أهم منها، على الأقل من وجهة نظرهم.. أما الشعوب غير المتقدمة فأفرادها يعضون بالنواجذ على فرص أعمالهم إلى آخر ثانية يسمح لهم بالبقاء فيها.
أما نحن، فلسنا من الفريقين، خصوصا في السنوات الأخيرة كما أشرت، وهذه ظاهرة خطيرة ومؤشر غير صحي لا يمكن أخذه على محمل: (نصف القوت راحة)، كما يقول مثلنا الدارج.. بل هو تعبير عن بنية نفسية معطوبة، عن إحساس متعاظم باللا جدوى، عن صولة وجولة للملل والسأم واللا اكتراث، وبشكل عام: تعبير عن رغبة في الاستقالة من الحياة وفقدان الشهية لها, ولا أعني الحياة كوجود مادي، وإنما كفاعلية وحيوية وحماس ذاتي للمشاركة الجماعية.
أساتذة جامعة، تربويون، إداريون، موظفون بكل ما لدى وزارة الخدمة المدنية من أسماء كلهم أسرى الرغبة في "التقاعد للتقاعد"، منهم من تقاعد مبكراً وجلس يعاقر التثاؤب ويطحن الوقت الفضفاض بالثرثرة أو بالسرحان، ومنهم من يغازل طلعة التقاعد ويصبو إليها.. هذه ظاهرة لا ينفع معها إلباسها طواقي الإخفاء بالتبريرات الانطباعية والتنظيرات المكتبية، كالقول: إن نوعية العمل في أجهزتنا العامة روتينية، أو أن الحوافز مفقودة، أو أن نظام المراتب والترقيات مثبط للهمم، وما إلى ذلك من الكليشيهات، تلك قد تكون مجرد أعراض لمرض عضال، أو قمة جبل الثلج الغاطس في ماء المحيط الاجتماعي.
وإذا شئنا أن نضيف إلى تلك الأعراض أعراضا غيرها، فقد يكون للحديث المتصاعد حول امتيازات القطاع الخاص وما يغمر الأسماع من طوفان الحكايات التي تدير الرؤوس، سواء ما يتعلق منها بحجم الأموال الهائلة أو الصفقات المذهلة والمرتبات الخيالية أو الفرص السحرية والتسهيلات العجيبة التي يقفز بها البعض من "مديونير" إلى "مليونير" قد يكون لكل ذلك أثره الكابح والمكرس لردة فعل حادة تجاه عمل ممل نكرره من الصباح إلى ما بعد الظهيرة بدريهمات لا تعدل جزءاً من انتداب يوم واحد للبعض من القطاع الخاص أو ممن ناله حظ التسهيلات!! ويزيد ذلك بلة التكلس على المقعد ذاته، محنطا تحت شفير مزاج مد يرك الذي هو الآخر تحت شفير مزاج رئيسه، لا أسفار ولا دورات ولا بعثات ولا حفلات ولا يحزنون!!
الرغبة الملحة في ذوات الكثيرين والكثيرات للخلاص من العمل بالتقاعد المبكر، أو تجرع الوقت غصصا حتى التقاعد القانوني مع حنين دفين إليه، ليس مؤشر ترف أو ميل السعودي للكسل. إنها ظاهرة لجراح غائرة يبدو أننا جميعا نحاذر الاعتراف بها أو الإقرار بوجودها أو أننا لم ننتبه بعد إليها وتلك مصيبة أعظم.. أما كيف نضعها تحت أدوات التشخيص؟ فتلك واحدة من مهام علماء الاجتماع عندنا، إن كان لدينا منهم من يهمه الأمر .. أو ليجعلها حوارنا الوطني محورا من محاوره لعل وعسى!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي