رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


انعدام القدرة على القراءة الدقيقة لتحديات سوق الأسهم .. زاد من وطأة أزمتها

[email protected]

كتب الفرنسي فريدريك باستيا في مقالةٍ شهيرة بعنوان "ما يُرى وما لا يُرى" نُشرتْ في تموز (يوليو) عام 1852 نصّاً اقتصادياً فريداً من نوعه، أرى أن فكرته لا تزال نابضة بالحياة إلى يومنا المعاصر كأنها ولدت للتو: "لا يوجد بين الاقتصادي الجيد والاقتصادي السيئ إلا فرق واحد، وهو أن الاقتصادي السيئ يقصر نفسه على التأثير المرئي، أمّا الاقتصادي الجيد فيأخذ في حسبانه التأثير الذي يُمكن أن يُرى وتلك التأثيرات التي يجب التنبؤ بها! ورغم هذا فإنه فرق هائل؛ إذ يحدث غالباً على الدوام أنه عندما تكون النتائج المباشرة مبشرة بالخير، فإن النتائج اللاحقة تنذر بالكوارث، والعكس صحيح تماماً. ويقتضي هذا بالضرورة أن الاقتصادي السيئ يسعى لأجل نفعٍ حاضر صغير، يعقبه شر عظيم لاحق، بينما يسعى الاقتصادي الجيد لأجل نفع عظيم قادم، مع المجازفة باحتمال وقوع شرٍّ حاضرٍ صغير".
لكأن هذا النصَّ كُتب بالحرف الواحد على حالة سوقنا المحلية، التي تستوطن اليوم قعر الخسائر المريرة المقدرة بأكثر من تريليوني ريال. تشعبت وتعددت التفسيرات والمقولات في كل ركنٍ من شأننا العام محاولةً فهم ما حدث للسوق، ومقترحةً عشرات الحلول للخروج بها من أزمتها العصيبة، وقياساً على مشاهدتنا الأخيرة لأوضاع السوق المكتسية باللون الأحمر، فلا محيص عن الاعتراف بفشل جميع الحلول التي هبّت من هنا وهناك لتدارك الأوضاع، ولكي لا تزداد سوءاً على سوئها السابق. هنا؛ يحضر بقوةٍ السؤال التالي: ماذا لو تُركت السوق في وقتٍ مضى قبيل الانهيار دون تدخلٍ مباشر من الهيئة، هدف على عجلٍ وفي وقتٍ قصير جداً إلى إعادة ترتيب فوضى عاشتها السوق، استغرق تشكلّها عدة سنوات مضت؟! هنا مربطٌ للفرس "لم يُر" حينها، وانظر في القرار الصادر عن مجلس هيئة السوق المالية رقم 5-126-2006 في تاريخ 23 كانون الثاني (يناير) 2006 الذي نص على الآتي:
1 ـ لا يجوز للشركات المساهمة المدرجة في السوق شراء الأوراق المالية أو بيعها ما لم يتضمن نظامها الأساسي نصاً يجيز لها ذلك، وبما لا يتعارض مع الأنظمة السارية ذات العلاقة.
2 ـ يكون الاستثمار في الأوراق المالية بناء على قرار يصدر من مجلس إدارة الشركة يحدد فيه ضوابط الاستثمار، ومستويات المخاطرة بما يتسق مع العرف المهني لإدارة المخاطر ضمن نطاق أغراض الشركة الأساسية. على أن لا يؤثر هذا الاستثمار سلبياً على ممارسة الشركة لنشاطها الرئيس.
3 ـ لا يجوز للشركات المساهمة المدرجة في السوق شراء الأوراق المالية المدرجة في السوق أو بيعها إلا من خلال صندوق استثمار، أو محفظة خاصة يديرها شخص مرخص له وفقاً لعقد إدارة تقره الهيئة، بحيث يعكس هذا العقد فصلاً تاماً بين الشركة وقرارات الاستثمار.
4 ـ على الشركات التي لديها استثمارات لا تتفق مع البنود أعلاه من هذا القرار تصحيح أوضاعها بما يتفق معه خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر من تاريخ هذا القرار، على أن تقدم الشركة للهيئة خلال شهر من تاريخ القرار خطتها لتصحيح أوضاعها.
5 ـ تكليف إدارة الإشراف والرقابة على التداول بالهيئة متابعة تنفيذ هذا القرار.
ألحقته الهيئة بقرارها التاريخي الصادر برقم 1-141-2006 في 23 شباط (فبراير) 2006 القاضي بتخفيض نسبة التذبذب اليومي في أسعار أسهم جميع الشركات المدرجة في السوق إلى 5 في المائة بدلاً من 10 في المائة ابتداءً من يوم السبت الموافق 25 شباط (فبراير) 2006. لتبدأ السوق في رحلةٍ هابطة تجاوزت العام حتى اليوم، تخللها العديد من القرارات والتنظيمات الهادفة لمعالجة واستدراك الوضع ولكن لا فائدة، فالنزيف استمر ولا يبدو في الأفق القريب حتى اليوم ما يُشير إلى احتمال توقفه. ولأن العدسة السوداء "ما لم يُر" ظلّت مسيطرة على الرؤى فقد زاد الأمر سوءاً فيما بعد، وأخصُّ بالذكر هنا إشكاليتين:
الإشكالية الأولى ـ التوسع الكبير في طرح الشركات المساهمة، بدأ مسلسله الذي لم يأخذ في الحسبان الحالة المتضعضعة للسوق من منتصف تموز (يوليو) 2006 الماضي إلى اليوم، فخلال هذه الفترة القصيرة التي لا تتجاوز العشرة أشهر تم طرح 16 شركة مساهمة بقيمة تجاوزت 16.2 مليار ريال، أضافت إلى عدد الأسهم المصدرة في السوق نحو ثلاثة مليارات سهم مصدر! هذا عدا التوسع المماثل في الموافقة للشركات المدرجة في السوق على زيادة رؤوس أموالها عن طريق منح الأسهم، التي ناهز عددها 1.8 مليار سهم مصدر، ليصل العدد الإجمالي من الأسهم المصدرة خلال هذه الفترة الوجيزة إلى نحو 4.8 مليار سهمٍ مصدر! أي بزيادة نسبتها 27 في المائة خلال أقل من عشرة أشهر فقط، مقابل انخفاض قيمة المؤشر العام للسوق بنحو - 44.7 في المائة خلال الفترة نفسها. وهي نسبة كبيرة إذا ما قارنتها بالزيادة في عدد الأسهم المصدرة خلال الفترة 2004 حتى نهاية شباط (فبراير) 2006، التي لم تتجاوز نسبة الزيادة فيها 19.9 في المائة، مقابل ارتفاع قيمة المؤشر العام للسوق بنحو 151.5 في المائة خلال الفترة نفسها.
الإشكالية الثانية - صدور قرار هيئة السوق المالية في 26 أيلول (سبتمبر) 2006 القاضي بتعديل فترة التداول في السوق لتصبح فترة واحدة من الساعة 11:00 صباحاً حتى الساعة 3:30 ظهراً من السبت حتى الأربعاء من كل أسبوع، ابتداءً من السبت 28 تشرين الأول (أكتوبر) 2006، وبالنظر إلى المبرر الرئيس لهذا القرار المهم الذي ألقى بظلاله على السوق منذ تطبيقه، الذي يتحدث عن عدم ملائمة وجود فترتين للتداول في السوق المالية السعودية، وتأثير ذلك على انتظام العمل فيها، وعدم اتساقه مع ما هو معمول به في الأسواق العالمية، وكونه جاء نتيجة لدراسة مستفيضة لأوقات التداول تضمنت استطلاع رغبات المستثمرين، واستمراراً لخطوات الهيئة على طريق تنظيم السوق وتطويرها. بدايةً فقد المؤشر من قيمته منذ تطبيق هذا النظام حتى تاريخ الأربعاء الماضي 25 نيسان (أبريل) 2007 أكثر من -31.1 في المائة، وبالنسبة نفسها تقريباً انخفضت قيمة التعاملات اليومية للسوق، كما انخفضت القيمة الرأسمالية للسوق باستبعاد الشركات الجديدة المدرجة خلال الفترة نفسها بنحو -35 في المائة، رغم أن عدد الأسهم المصدرة "عمق السوق" قد زاد خلال الفترة نفسها بأكثر من 16.2 في المائة! تلك هي تكلفة القرار حسابياً. الآن لنبحث في حيثيات القرار؛ نعلم أن سوقنا المحلية غير مفتوحة للاستثمارات الأجنبية، وعليه أتساءل: ما علاقة عدم اتساق توقيت عملها مع ما هو معمول به في الأسواق العالمية؟! لا يوجد أي رابطٍ على الإطلاق في هذا الشأن! الأمر الأخير المتعلق بتنظيم السوق وتطويرها، والحديث هنا مؤداه التحول في السوق من آليات الاستثمار الفردي إلى آليات الاستثمار المؤسساتي، وحينما نعود بالذاكرة إلى الوراء قليلاً وتحديداً في تاريخ صدور القرار، سنجد أن عدد المؤسسات المالية والاستثمارية المصرّح لها لم يتجاوز حتى ذلك التاريخ 33 شركة، علماً أن لا شركة منها أعلنت عن بدء ممارستها العمل! كما لم يتجاوز ما حصل منها على ترخيص إدارة المحافظ والصناديق الاستثمارية سقف 12 شركة، وهذا الفرع تحديداً هو المرتكز الرئيس لقيام الاستثمارات المؤسساتية في أي سوقٍ مالية. أضف إلى ما تقدّم أن الخيارات الاستثمارية المؤسساتية المتوافرة في السوق ممثلة في 26 صندوقاً استثمارياً، فقدت كثيراً من جاذبيتها قياساً على الخسائر الكبيرة التي لحقت بها، حيث انسحب منها خلال الفترة آذار (مارس) إلى أيلول (سبتمبر) 2006 أكثر من 158.3 ألف مشترك، أي ما نسبته - 27 في المائة من إجمالي أعدادهم قبيل الانهيار. إذاً مجرد التفكير بمثل هذه الطريقة في ظل تلك الأوضاع المريرة السائدة في السوق أثبتت التجربة أن له عواقبه الوخيمة، خاصةً إذا نظرنا إلى الحجم الكبير للاستثمارات الفردية القائمة في السوق والتي تتجاوز الـ 90 في المائة، وعليه فلا بد من إعدادٍ وتنظيم طويل الأجل، وجهودٍ عملاقة يجب أن تبذل قبل تنفيذ مثل هذا القرار، الذي كما يبدو "لم ير" حينما تمّت صياغته وإصداره هذه الحقائق الصلبة على السطح.

سوق اليوم وليدة الأمس

أكملتْ "الأزمة الحمراء" لسوق الأسهم المحلية بنهاية تعاملات الأربعاء الماضي 25 نيسان (أبريل) 2007 في سلسلة أيامها الثقال 304 أيام عمل! كانت ولا تزال رحلة مريرة هي الأشدُّ وطأةً في تاريخ سوق المال السعودية. جاءتْ فصولها الدرامية الحامية الوطيس بعد 940 يوم عمل شهدتْ احتفالية خضراء لم يسبق لها مثيل؛ تخللها بعض محطات التوقف القسرية التقطت فيها السوق أنفاسها لتعود مسرعةً إلى الصعود "من الأول من كانون الثاني (يناير) 2003 إلى 25 شباط (فبراير) 2006". إنني أحصر حالة التشخيص للسوق في تلك الفترة تحديداً كون بدايتها تمثل نقطةً مفصلية في العمر الحديث للسوق، تلك النقطة التي شهدتْ اكتتاب أكثر من 912 ألف مكتتب في شركة الاتصالات السعودية، اكتشف على أثرها المجتمع السعودي المعاصر عالماً جديداً من الاستثمار المجدي، له سماته الخاصّة التي لا تُنافس أبداً، التي يغلب عليها: "1" سهولة الممارسة والتعامل، "2" ارتفاع عوائدها بصورةٍ لم يعتدها من قبل أفراد المجتمع ـ كان عائد أول يوم تداول لسهم "الاتصالات" في 25 كانون الثاني (يناير) 2003 إلى أكثر من 46.5 في المائة - "2" قصر الفترة الزمنية والسرعة الكبيرة لأجل جني أرباح الاستثمار وتحوله فيما بعد إلى أشد أنواع المضاربة فتكاً. لم يكن يعمل في هذه السوق من المستثمرين قبل هذا التاريخ أكثر من 79.8 ألف مستثمر مباشر، ونحو 60.3 ألف مستثمر عن طريق الصناديق الاستثمارية! تدفق من بعد ذلك التاريخ مئات الآلاف من المستثمرين؛ وصل إجمالي عددهم "مباشر وعن طريق الصناديق الاستثمارية" بنهاية 2003 إلى 493.3 ألف مستثمر بنسبة زيادة 251.2 في المائة، ثم لترتفع أعدادهم في نهاية 2004 إلى 1.5 مليون مستثمر بنسبة زيادة 200.5 في المائة، ثم لترتفع أعدادهم في نهاية 2005 إلى أكثر من ثلاثة ملايين مستثمر بنسبة زيادة 103 في المائة، أي أن هذا عام 2005 فقط شهد دخول أكثر من 1.5 مليون مستثمر، لتستقر أعداد المستثمرين في السوق حتى ما قبل شرارة الانهيار الكبير عند 3.6 مليون مستثمر، بما يعني أن الفترة الزمنية القصيرة التي سبقت دراما الانهيار شهدت دخول نحو 570 ألف مستثمر!
تدافع الملايين من المستثمرين في فترة زمنية وجيزة من الزمن تتجاوز الثلاث سنوات بشهرين فقط على سوقٍ ناشئةٍ ذات هيكلٍ متضعضع، لم يحدث على تضاريسها طوال عمرها 1985 - 2004 ما يمكن الإشارة إليه من تطوير أو إصلاح، مقارنةً بما طرأ عليها بعد تأسيس هيئة السوق المالية في منتصف عام 2004. تلك حقيقة يجب الاعتراف بها من لدن تلك الملايين من المستثمرين، بغض النظر عن الإشكالات أو الأخطاء "غير المقصودة" التي صاحبتْ عمل الهيئة الناشئة فيما يتعلق بإجراءات تنفيذ عمليات التطوير والإصلاح الهيكلي للسوق فيما بعد تأسيسها.

هيئة ناشئة أمام إرث ثقيل الوزن

أتصور لو أن تأسيس هيئة السوق المالية سبق تاريخه بعامين على أقل تقدير لكانت مهمتها أكثر سهولةٍ مما شهدناه على أرض الواقع! لقد واجهتْ عدداً من التحديات الجسيمة أبلورها فيما يلي:
1 ـ اكتظاظ السوق بالكثير من الاختلالات الهيكلية الثقيلة الوزن؛ ولك أن تقارن بين واقع الشركات المساهمة اليوم تحت مظلةٍ صارمة من الأنظمة واللوائح والضوابط، التي بدأتْ تضبط أعمالها وتلزمها بنشر قوائمها المالية بانتظامٍ زمني، إضافةً إلى إلزامها نظامياً بسياسات الإفصاح والشفافية، وإيقاع العقوبات الصارمة على مجالس إداراتها عند وقوع أية مخالفاتٍ لنصوص النظام أو مواد اللوائح التنفيذية. لقد كان عمل تلك الشركات المساهمة قبل صدور نظام السوق المالية وتأسيس الهيئة فيما بعد؛ أشبه باللهو في الهواء الطلق! رغم أنها كانت خاضعة لنظام الشركات، وتحت مظلة لجنة وزارية مكونة من وزارة المالية ووزارة التجارة والصناعة ومؤسسة النقد العربي السعودي. إذاً كان الحمل ثقيلاً جداً، وكما أشرتُ أعلاه أن الفترة الزمنية الممتدة لنحو عقدين من الزمن فيما قبل تأسيس الهيئة لم تشهد تطوراً ملموساً يُذكر لا نوعياً ولا كمياً.
2 ـ سرعة التحولات الكبيرة التي طرأت ليس فقط على السوق المالية الناشئة، بل حتى على مستوى الاقتصاد الكلي! وما يهمنا هنا تلك التحولات ذات العلاقة المباشرة بسوق الأسهم المحلية، فعدا ما أشرتُ إليه أعلاه من تدافع ملايين المستثمرين أدّى لاحقاً إلى تضخيم قوى الطلب داخل أروقة السوق بصورةٍ غير مسبوقة، لم يقابل هذا التضخم المتصاعد في الطلب ما يوازيه في جانب العرض، لا على مستوى عدد الأسهم المتاحة للتداول، ولا على مستوى تعدد وتنوع الخيارات الاستثمارية. كانت الحركة في جانب العرض أقرب إلى "الجمود" أمام ذلك السيل "الهادر" المتدفق من ملايين المستثمرين ومليارات الريالات، زاد العامل الأخير من لهيب أسعار أصول السوق؛ الإفراط غير المدروس وغير المقنن توسع البنوك المحلية في منح القروض والتسهيلات المالية! فلم يتجاوز عدد الأسهم المصدرة "المدفوعة" في مستهل 2003 عن ملياري سهم مصدر، ارتفعت في بداية 2004 إلى 2.3 مليار سهم مصدر، وفي بداية 2005 وصلت إلى 2.6 مليار سهم مصدر، وارتفعت في بداية 2006 إلى نحو ثلاثة مليارات سهم مصدر، إلى أن وصلت مع نهاية شباط (فبراير) 2006 إلى 3.3 مليار سهم مصدر. أي أن الزيادة المتحققة في عدد الأسهم المصدرة في السوق خلال الفترة 2003-2006 لم تتجاوز 0.96 مليار سهم، بزيادة نسبية لم تتجاوز 14 في المائة!! ولا يقف الأمر عند هذا الحدِّ المزعج، إذ إن تلك الأسهم المصدرة ليست متاحةً كلها للتداول؛ إذ لم تتجاوز نسبة المتاح فعلياً للتداول من تلك الأسهم المصدرة 15 في المائة! أمكننا الوصول إلى تلك النسبة الضئيلة من خلال التعرّف على توزيعات ملكية الأسهم المتوافرة في السوق المحلية، حيث تتوزع بين ثلاث شرائح رئيسة هي: 53.2 في المائة للقطاع الخاص، و41.1 في المائة للحكومة، و4.1 في المائة للمستثمرين الأجانب، ونحو 2.6 في المائة غير موضحة الملكية. وحينما نستبعد الحصص غير القابلة للتداول المتمثلة في حصص الحكومة والاستثمار الأجنبي التي تبلغ مجتمعةً أكثر من 45 في المائة، وحصة كبار الملاك والمستثمرين وأعضاء مجالس الإدارة المقدّرة بنحو 40 في المائة، سنصل حينها إلى النسبة الموضحة أعلاه التي لا تتجاوز 15 في المائة! مؤدى ما سبق أن ملايين المستثمرين الذين ظلّوا يتدفقون على السوق طوال الأعوام الثلاثة الماضية قبيل اشتعال نيران الانهيار لم يتجاوز عدد الأسهم المتاحة أمامهم للتداول 352 مليون سهم في 2003، و391 مليون سهم في 2004، و447 مليون سهم في 2005، وأخيراً حتى نهاية شباط (فبراير) 2006 ليس أكثر من 497 مليون سهم!
3 ـ زاد من وطأة التحديين السابقين؛ حداثة هيئة السوق المالية ومحدودية خبرتها العملية في هذا المجال، هذا عدا أنها كانت في إطار التأسيس والتشكّل. أضف إلى ذلك أن الأجهزة العتيقة التي كانت تشرف على السوق من قبل من خلال اللجنة الوزارية "وزارتي المالية والتجارة ومؤسسة النقد" تركت الهيئة الناشئة وحيدةً في مواجهة تلك التحديات، وما زاد من تعقيد الموقف هنا نشوء أنواعٍ من التضارب بين قرارات بعض تلك الجهات والقرارات الصادرة عن الهيئة، شهدنا ظلالها القاتمة على أداء السوق. ولك أن تتخيل لو أن تلك الجهات قدّمت دعماً ومساندة أكبر يرتقيان فعلياً بجهود الهيئة الناشئة للتصدي للتحديات المذكورة أعلاه؛ لو قامت مؤسسة النقد العربي السعودي بتقييد توسع البنوك المحلية في منح القروض والتسهيلات المالية في وقتٍ مبكر قبل قيامها بذلك في نهاية 2006! ولو سارعت وزارة المالية في تخصيص بعض الأسهم المملوكة للحكومة في وقتٍ مبكرٍ أيضاً بما يوسّع فعلياً من قاعدة الأسهم المتاحة للتداول! ولو قامت وزارة التجارة والصناعة بالتنسيق المسبق مع الهيئة الحديثة التأسيس في خصوص القرارات التنظيمية ذات العلاقة المباشرة بالسوق! هل لو حدث كل ذلك في وقتٍ مبكر وسابقٍ كانت ستمر السوق المحلية بتلك المنعطفات الخطرة، وكانت ستصل إلى المرحلة البالغة الحرج الراهنة؟! لا شك أن الأوضاع ستكون مغايرة تماماً لما هي عليه في الوقت الراهن. ليس الهدف هنا البحث عمن يتحمل مسؤولية ما حدث؛ بقدر ما أن الهدف الرئيس للحديث هنا هو محاولة تشخيص الأسباب الفعلية، علماً أننا جميعاً هنا وبعد كل تقدّم أعلاه؛ ستتفق الأغلبية على خطأ من ذهب في اتجاه تحميل المستثمرين فقط كطرفٍ وحيد مسؤولية الوضع الراهن للسوق، إنها مغالطة كبرى يجب أن يتضح قصور تفسيرها، وأن جميع الأطراف المعنية بالسوق يتحمل كل طرفٍ نسبةً معينة يمكن قياسها متى ما توافرت معلوماتٍ أكثر تفصيلاً.
ونستكمل في الأسبوع المقبل قراءة بقية أوراق سوقنا المحلية، لتوثيقها تاريخياً، وتوسيع دائرة النقاش والدراسة للحدث الاقتصادي والمالي الأبرز على الساحة الراهنة. إذ سنبحث في النتائج المحتملة على الاقتصاد والسوق للفترة المقبلة، خاصةً أن منهجية الحل القائمة لم تُظهر حتى الآن ما ينبئ عن قرْب انفراج الأزمة، بل على العكس تماماً فلما نزال في اتجاهٍ هابط، ألقى بتذبذباته الحادة ظلالاً قاتمة على ثقة ومعنويات المتعاملين، اعتدنا مشاهدة آثاره السلبية على تعاملات السوق لحظة بلحظة، دع عنك أيامه وشهوره وعمره الذي تجاوز العام. والله من وراء القصد.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي