مهنة تعليق الأجراس وضرورة الإفصاح عن الأتعاب
ظهرت مهنة المراجعة مع ظهور الشركات وتطورت مع تنامي الأسواق المالية، وهي ترتكز على قاعدتين أساسيتين هما الاستقلال والمهنية, وبنيت كل القواعد والمعايير بما يضمن المحافظة عليهما. وأكدت الأحداث التي مرت على عدد من الشركات في السوق السعودية أهمية الدور الذي يقوم به المراجع، فلو أن صغار المستثمرين تنبهوا لصوت الجرس الذي علقه مراجعو "بيشة" و"أنعام" لما وقعوا أسر هذه الأسعار المبالغ فيها لتلك الشركتين، على الأقل لكانت أقرب للواقعية ولما وضعنا أيدينا على قلوبنا فيما لو أعلنت أي منهما الإفلاس، ومازالت هناك أجراس أخرى تدق, فهل هناك من يسمع؟
وهكذا فإن المراجع دائما هو الذي يتكبد عناء تعليق الجرس على رقبة القوائم المالية للشركات، لذلك فإن بعض مجالس الإدارات تبحث عن المراجع الذي لا يمتلك أجراسا بينما هيئة المحاسبين القانونيين من خلال برنامج مراقبة الجودة تبحث عن هذه الفئة أيضا إما لتمنحهم أجراسا أو لتخرجهم من المهنة. لكن عملية تعليق الجرس هذه تكلف المراجع الكثير، فهو في حاجة إلى موظفين ذوي تأهيل مهني عال وكفاءة وموضوعية, إضافة إلى الأمانة والصدق والقدرة على تحمل أعباء توثيق أعمال المراجعة واتباع المعايير ومتابعة ما يستجد منها على وجه الخصوص وما يستجد في بيئة الأعمال بشكل عام. وأعتقد أن مجرد ذكر هذه الصفات يشير إلى ندرة هذه النوعية من الموظفين، ولذلك يعد البقاء في المهنة أمرا ذا معاني كبيرة إذا علمت ما تعانيه في المملكة من تدني الأتعاب إلى حد يصل بك إلى الشك في امتلاك الجرس, فضلا عن القدرة على تعليقه.
فمهنة المراجعة تعتمد على الأتعاب التي يحصل عليها فريق المراجعة من الشركة التي يراجعها، ومع كل احترامي للقرارات الوزارية التي تنص على أن لجنة المراجعة هي التي تختار الأسماء وتعرضها على مجلس الإدارة الذي يعرض مرشحه منها على الجمعية العامة. ومع تقديري لنظام الشركات الذي ينص على أن الجمعية العامة هي التي تعين أو تقيل المراجع إلا أن التطبيقات الفعلية تؤكد أن الأمر في يد الإدارة دائما. فهل تعتقد أن إدارة شركة لديها مخالفات ستبحث عن مراجع ذي سمعة كبيرة في تعليق الأجراس؟ وهل تعتقد أن مراجعا يعتمد بشكل جوهري على الأتعاب التي يحصل عليها من شركة ما سوف يعلق عليها جرسا؟ المشكلة أن مهنة المراجعة لدينا نشأت على مفاهيم المكاتب القانونية, فالبقاء مرهون بصناعة العملاء واستمرار تعاملهم مع المكتب. فهل نعلق جرسا على بقاء المهنة لدينا أو استقلالها؟
من هنا يتضح أن الأتعاب تقدم مؤشرا مهما جدا عن مهنية واستقلال المراجع، فمهنيا ترتبط الأتعاب بحجم الأعمال فكلما زاد حجم العمل زادت الأتعاب، كما أنها مرتبطة بتقديرات المراجع لكفاءة نظام الرقابة الداخلية للشركة, وبالتالي كفاية المقاييس الفنية التي يضعها لقياس المخاطر وترتيب العمل وفقا لذلك، بل إن بعض الدراسات تشير إلى علاقتها بنوعية نظام الحوكمة في الشركة وكفاءته. ولهذا فإن حجم الأتعاب يعد مؤشرا على مستوى المهنية الذي قام به المراجع وعلى مستوى تقديراته المخاطر في الشركة, وبالتالي حجم الأعمال التي قام بها مما يساعدنا فعلا على تقييم الثقة التي يقدمها لنا من خلال تقريره.
ومن جانب الاستقلال، فإن قواعد السلوك المهني تشير إلى أهمية تقارب حجم الشركة مع حجم مكتب المراجعة, وذلك لكيلا تكون هناك أي إشارة لاعتماده على الأتعاب التي يحصل عليها من الشركة، وهذا هو ما تسبب في انهيار مكتب إثراندرسن العالمي للمراجعة عندما ظهرت إشارات إلى اعتماده على الإيرادات التي يحصل عليها من خدماته التي قدمها إلى شركة إنرون, الأمر الذي جعله يتنازل عن الكثير من المهنية طوعا بل يشترك مع الإدارة في تضليل السوق. كما أن مستويات الأتعاب تشير إلى حجم المنافسة في السوق ومستويات الاحتكار، وكلما تدنت الأتعاب كانت هناك إشارات إلى مصادر أخرى للدخل بخلاف المراجعة, وهو أمر مثير للقلق جدا.
كل هذه الأمور مرتبطة بالأتعاب, ومع ذلك فنحن لا نعرف عنها شيئا ألبتة، فلا نعرف على وجه اليقين الأتعاب التي حصل عليها مراجعا "بيشة" أو "أنعام" أو غيرهما، وهل لو زادت أتعابهما أو قلت هل كان سيتغير الحكم؟ هل كان قرار المراجع بتعليق جرسه لأنه لم يعد هناك ما يخسره من الشركة أم كان قرارا مهنيا بالدرجة الأولى؟ هل تبرر أتعاب مراجع "سابك" حجم الأعمال التي يقوم بها؟ هل تبرر أتعاب مراجعي البنوك حجم المخاطر التي قد يتعرضون لها؟ هل لو عرفت السوق حجم الأتعاب التي تقاضاها المراجع عن شركة ما سيتغير تصنيفهم مستوى الثقة بالتقارير المالية, وبالتالي مستوى مخاطرها؟ هل مستويات أتعاب المراجعة تقدم مؤشرا على قدرات المراجعين في المملكة على تحمل مسؤولية أعمالهم؟ الأسئلة كثيرة ومتشعبة، وهي أسئلة لمهنة تكاد تُخنق مع ظهور الحوكمة، ومع ذلك فإننا نمتلك إجابات محدودة جدا عنها. والمشكلة الكبرى التي نواجهها دوما كباحثين ومحللين هي عبارة الرعب "سري جدا"، بل لا تستغرب أن أحد أعضاء مجلس الإدارة في أحد البنوك السعودية المرموقة لم يجد إجابة عن استفسار بحثي خاص بأتعاب المراجعة إلا بطلب تغيير موضوع البحث بالكامل, فقد سألنا عن عظيم. وكم من معلومات تتعلق بالمهنة حتى هيئة المحاسبين القانونيين لا تتجرأ بتقديمها للبحث والدراسة, فقوة اللوبي الضاغط على قراراتها اليوم أكبر من قدراتها على تغير مسار المهنة الهابط. وفي نظري إنها اليوم في حاجة إلى مساعدة هيئة السوق المالية لإجبار الشركات على الإفصاح عن أتعاب المراجعة، فهل نعلق بذلك جرسا آخر.