الدولار الأمريكي والعملات الخليجية
أثار قرار البنك المركزي الكويتي فك ارتباط الدينار الكويتي بالدولار الأمريكي وربطة بسلة عملات الكثير من ردود الفعل المتباينة في الأوساط الاقتصادية بين مؤيد لذلك القرار ومعارض له، ويستند الكثير من المعارضين لفك الارتباط بين الدينار والدولار إلى سبب وحيد وهو مستقبل العملة الخليجية الموحدة المخطط لها في عام 2010، بينما يرى المؤيدون أن فك الارتباط سيسهم في قوة الدينار الكويتي أمام العملات الأخرى التي تشهد ارتفاع أمام الدولار الأمريكي.
وبالنظر إلى المبررات التي ساقها المسؤولون الكويتيون لذلك القرار إلى أن الانخفاض الكبير في سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل معظم العملات الرئيسية كانت له انعكاسات سلبية على الاقتصاد الكويتي خلال العامين الأخيرين على الرغم من محاولات بنك الكويت المركزي التخفيف من تأثير تراجع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل العملات الرئيسية الأخرى من خلال استنفاذ الهامش المسموح به للتحرك الصعودي في سعر صرف الدينار الكويتي أمام الدولار الأمريكي منذ بدء الارتباط في عام 2003، بالإضافة إلى أنه ساهم في تراجع القوة الشرائية للدينار الكويتي مقابل العملات الرئيسية الأخرى غير الدولار .
وهذا المبرر ينطبق تماما على الظروف الاقتصادية لدول الخليج من حيث تطابق طبيعة اقتصادياتها المعتمدة كليا على البترودولار، وكان هذا التوجه مقبولا في السابق عندما كانت عائدات دول الخليج تأتي عن طريق بيع البترول بالدولار ومن ثم الاستيراد بشكل كبير بالدولار من الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول المرتبطة بالدولار ما يجعل العملة المحلية متماسكة وبنسب تضخم معقولة. ولكن في ظل تغير المناخ الاقتصادي العالمي خلال العشرين سنة الماضية من ناحية ظهور قوى اقتصادية جديدة تزاحم الهيمنة الأمريكية الاقتصادية على الاقتصاد العالمي وتحديدا في الإنتاج جعل من العملات المحلية المرتبطة بالدولار تفقد الكثير من قيمتها في ظل البيع بالدولار والشراء بعملات أخرى كثيرة لدول النمو الاقتصادي التي باتت تزاحم الهيمنة الأمريكية وقد يكون منها شركات أمريكية تبيع بعملات أخرى غير الدولار. وبالتالي فإن العملات المحلية المرتبطة بالدولار أصبحت تواجه ضغوطا تضخمية كبيرة قد يرى بعض الاقتصاديين أنها تؤثر في النمو الاقتصادي لتلك الدول خلاف ما تجره من تبعات على المستهلك المحلي الذي بلا شك يدفع ثمن ذلك التضخم في أسعار صرف العملات. وحتى مع النمو العالمي الكبير في الطلب على البترول فإن ذلك ما زال يأتي بالدولار الأمريكي بينما الواردات تأتي بعملات مختلفة ترتفع بشكل تدريجي أمام الدولار وبالتالي أمام العملة المحلية، وهنا فإن التغير في قيمة الدولار أمام العملات الأخرى يضيف نسبا تضخمية على العملات الخليجية في ظل تراجع القوة الشرائية لها مقابل العملات الرئيسية الأخرى غير الدولار.
ومن وجهة نظر استثمارية اقتصادية، فإن ذلك يعود إلى أسباب كثيرة أرى أن الاستثمار الأجنبي كان هو المحرك الرئيسي لها بشكل أسهم في تغيير التركيبة الاقتصادية العالمية. استنادا إلى نظرية الاستثمار الأجنبي فإن رؤية شركات الأعمال الأمريكية على سبيل المثال للاستثمار الأجنبي هي لرفع مستويات الربحية من حيث الدخول إلى أسواق جديدة، إما ذات كلفة إنتاجية أقل أو مميزات سوقية ترتبط بحجم الأسواق المحلية والإقليمية. وأدى هذا التوجه إلى تغيير في التركيبة الاقتصادية الإنتاجية العالمية على مرحلتين نوجزهما على النحو التالي.
أولا، دخول تلك الاستثمارات الأجنبية إلى دول جديدة جعل إنتاج تلك الشركات يخرج من الإنتاج المحلي الأمريكي ويصبح في صالح الناتج المحلي لتك الدول مع بقائه إلى حد ما في الإنتاج الوطني الأمريكي، وهذا لا يخدم القوة الاقتصادية للعملة الأمريكية بحيث تقوم تلك الشركات بالبيع بعملة الدول التي تعمل بها.
ثانياً، دخول تلك الاستثمارات أسهمت بشكل كبير في نقل التقنية والإدارة إلى الدول المحتضنة لتلك الاستثمارات وكذلك حاجة تلك الاستثمارات إلى صناعات مساندة ما ساهم في إيجاد بيئة أعمال قادرة على التطور وبالتالي انعكس ذلك على اقتصاد الدول المحتضنة وزيادة ناتجها المحلي وزيادة صادراتها بغير الدولار.