بين الطلب والعرض والاكتتابات
تتعدد التحليلات والتفسيرات في حالات اهتمام عموم المستثمرين بحدث، أي حدث يتعلق بالسوق المالية والشركات المدرجة فيها، وأي خبر سواء أكان جوهرياً أم لا، فمجتمع المراقبين والمحللين يوفر بوصلة السوق التي يبحث عنها مجتمع عموم المستثمرين المترقب لكل جديد يفسر السلوك الحالي أو المستقبلي لسوق المال. وسواء أكان التفسير والتحليل مبنياً على مبادئ فنية، أو أساسية مالية صلبة، أو أن يكون محاكاً بطريقة مبسطة مقنعة دون وجود أي أساس فني أو تحليلي وأي متغير جديد، يواصل مجتمع المستثمرين البحث عن ضالته، ويستمر مجتمع المفسرين المحللين في توفير خريطة الوصول إلى هذه الضالة، ولكيفية العثور على الكنز.
من المفروض أن تعكس أسعار الأسهم التوقعات المستقبلية لمجمل المستثمرين أو ما يسمى بالإجماع السوقي Market Sentiment لا أن تكون أسعار الأسهم انعكاسا للأداء التاريخي ومجرد ردة فعل للنتائج المالية للشركة، فردة فعل السوق لأخبار الشركات ونتائجها يجب أن تبنى على الفرق بين التوقعات والنتائج الفعلية المحققة. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن مصدر توقعات الأداء يجب أن يكون إعلانات الشركات عن النتائج المتوقعة والنسب المالية المستهدفة، وتوقعات المحللين الماليين وخبراء الاستثمار. بيد أن واقع سوق الأسهم السعودية يبين عدم وجود تقارير عن توقعات الأداء تصدر من البنوك الاستثمارية أو المحللين بحيث تكون مبنية على منهجية علمية واضحة ومدعومة بالأدلة والفرضيات التي بني عليها التحليل.
إن غياب هذه التوقعات يجعل السوق عرضة لتلقي الإشاعات والتوقعات بجانب التوصيات غير المنطقية التي يتكرر صداها بشكل يؤثر في التحركات التي يجب أن تأخذها أسعار الأسهم، ولينتهي الحال بالمؤشر عموماً وبأسعار أسهم الشركات إلى التذبذب الحاد.
ويرتبط الحديث عن المعلومات والتوقعات المستقبلية ارتباطاً وثيقاً بكفاءة السوق المالية، حيث إن كفاءة السوق المالية تعني انعكاس المعلومات المتوافرة والمتوقعة للسوق على أسعار الأسهم، أي أن سعر السهم يعكس المعلومات المتوافرة والمتوقعة من قبل عموم المستثمرين في السوق ليشكلوا قوى العرض والطلب للوصول إلى القيمة السوقية العادلة تبعاً لهذه المعلومات. فالوصول إلى التوازن السعري والقيمة العادلة لسهم معين في السوق عالية الكفاءة يكون سريعاً ودون حدوث تذبذب كبير يبين تفاوت المعلومات المتوافرة وتفاوت توظيفها عند اتخاذ القرار الاستثماري، أما في الأسواق المالية ذات الكفاءة الضعيفة، يعكس التذبذب الحاد حالة من تفاوت المعلومات للمتداولين يجب فتح ملفات للتحقيق حول حقيقتها.
وليس بالضرورة أن تقود التوقعات والتقييمات لأسعار الأسهم إلى القيمة العادلة بغض النظر عن العوامل الأخرى، ففي خلال الثمانينيات الميلادية وقبيل انهيار الإثنين الأسود في أمريكا بتاريخ 19/10/1987م، وصلت أسعار الأسهم الأمريكية إلى مستويات عالية انعكست بارتفاع مكررات الربحية وتضخم الأسعار، وكان أحد أسباب الفقاعة والانهيار التي دونت في الأدبيات المالية أن دخول مستثمرين جدد كصناديق التقاعد وغيرها إلى سوق الأسهم خلق طلباً فاق العرض وأدى إلى تضخم الأسعار ثم انهيارها.
كما أن أحد أسباب انهيار الإثنين الأسود في أمريكا هو دخول المستثمرين الجدد المدججين بالسيولة إلى السوق ورفع مستوى الطلب على العرض، كان لدخول عدد كبير من المستثمرين السعوديين إلى سوق الأسهم خلال الأعوام الأربعة الفائتة من صناديق استثمار وأفراد مدفوعين بتوقعات النمو الاقتصادي وحتمية انعكاسه على سوق الأسهم تأثيراً في تضخم الأسعار إلى مستويات غير مستدامة وغير واقعية. فبين عام 2003م والعام الفائت، ارتفع عدد صناديق الاستثمار الفاعلة في سوق الأسهم من 170 صندوقاً مداراً من قبل البنوك إلى 212 صندوقاً، أي بارتفاع نسبته 25 في المائة، هذا بجانب عدد المحافظ الاستثمارية العائدة للأفراد التي يقدر ارتفاعها البعض من أقل من نصف مليون إلى أكثر من ثلاثة ملايين محفظة في السنوات الثلاث السابقة لانهيار العام الماضي. ومع ارتفاع عدد المتداولين والداخلين إلى السوق عدداً وسيولةً، لم تتم مقابلة هذا الطلب بعرض كاف لامتصاص السيولة في حينها، وبعدم التركيز على رفع مستويات الثقافة الاستثمارية - إلا أخيرا، وأقول إن تأتي متأخرة خير من ألا تأتي.
ولعدم توفير العرض المناسب من الشركات المطروحة للاكتتاب الأولي، إضافة إلى تأخر الموافقة على رفع رأس المال لبعض الشركات ذات الأداء الجيد، أخذت أسعار الأسهم بالتوجه إلى مستويات تنبئ بانهيار واضح حذر منه البعض، وشجع على استمراره البعض، أما البقية فآثرت الصمت لكيلا يطالها غضب المساهمين، وتجهم جمهور المستمعين. وليست ندرة العرض وارتفاع الطلب هي السبب الرئيس للفقاعة والانهيار الذي حدث، ولكنها دون ريب أحد أهم الأسباب، فما نلحظه في العام الحالي من التوجه نحو طرح المزيد من الشركات للاكتتاب العام هو من الأمور الحميدة لحالة السوق في المديين المتوسط والبعيد، وهي سياسة من هيئة سوق المال لإضافة المزيد من العمق والتوسع للسوق المالية بحيث تكون سوقا ذات سيولة مرتفعة وخيارات متنوعة للمستثمر ولطالب التمويل من قطاع الأعمال، ولو أن هذه السياسة كان يجب أن تكون قيد التنفيذ في عام 2003م أو العام الذي يليه كخطة للتجاوب مع احتياجات الاقتصاد الوطني.
وقد يجادل أحدهم بأن طرح الشركات الجديدة في السوق والاكتتابات الأولية هو من الأمور التي تضر بمستويات السوق وأدائها، منطلقاً من قناعة هدفها النهائي رفع المؤشر إلى الأعلى بأقصى سرعة ممكنة من خلال تحجيم العرض وإعطاء مساحة للطلب الكلي ليرفع السوق، إلا أن هذا القول بعيد عن الحرص على السوق المالية وأدائها ورسالتها، لكون الهدف من السوق المالية عموماً توفير التمويل اللازم للشركات وتوفير فرص الاستثمار للمساهمين والنمو الطبيعي المنطقي، فإن اقتنع المساهم بشركة معينة، فله الخيار في الاكتتاب أو العدول، وهي في النهاية عملية استثمارية بحتة ليس بها ما يخل بالنظام المالي والاقتصادي.
كما أن عمليات الطرح الأولي في الفترة الحالية لهي أمر ملح للوصول إلى سوق مالية جاذبة للاستثمارات ومحركة للقطاع الخاص ومشاركة في الاقتصاد الوطني، خصوصاً وأن تبريرات تأثيرها السلبي في المؤشر ليس لها أساس علمي أو حتى تطبيقي، فطرح أولي بقيمة اسمية تبلغ عشرة ريالات وبحد أدنى يبلغ 50 سهماً لا يستدعي تسييل محفظة لعموم المساهمين، ولا يستدعي الانتظار لوقت صرف مرتبات موظفي القطاع العام! خصوصاً أن الاكتتاب يعد استثماراً وليس استهلاكاً، والأفراد تبعاً للنظريات الاقتصادية يقسمون دخلهم بين الاستهلاك، الادخار، والمضاربة. إذن، فالمبلغ المخصص للاستثمار محدد سلفاً، ومخصص للاستثمار متى ما كان موعد الاستثمار في الاكتتاب الأولي.
وأخيراً، نحن لا نتحدث هنا عن الطروحات الأولية التي تغمرها علاوات إصدار يخالجنا تجاه تقييمها والأساس العلمي والمالي والمنهجية المبنية عليها الشك، خصوصاً مع عدم إصدار مديري الاكتتاب ومتعهديه للخطوط العامة لمنهجيتهم في التقييم، ولكننا نتحدث عن الاكتتابات الأولية بالقيمة الاسمية لشركات وطنية واعدة، التي تشكل فرصة لصغار المستثمرين - وإن كان جرح انهيار السوق ما زال يدمي. كما يجب مواصلة تعميق وتوسيع السوق بالمزيد من الاكتتابات الأولية بتزامن مع هيكلة قطاع البنوك الاستثمارية لتشكيل نوع من المسوح التي تتناول توقعات مختلف المحللين وشركات الوساطة والبنوك الاستثمارية أسبوعياً لتدعيم الثقافة المالية وآليات اتخاذ القرار من قبل المستثمرين.