وما أدراك.. ما المسيار؟!
يبدو أن عبقرية البعض لا تتفتق إلا فيما هو متعة خاصة فتفرط في استدراج ما لا يخطر على البال من حجج غريبة تبدو نصوحة بريئة في ظاهرها بيد أنها ملوية الأعناق لكي تبرر الهوى والمزاج.
هذا بالضبط ما نعايشه منذ سنوات في الضجيج الذي لا يفتأ يثار حول زيجات المسيار، المسفار، المصياف، المبعاد، الفرند، وغيرها من تقليعات زيجات بني يعرب المعاصرة، مما تبح الحناجر في مديحها في بعض الفضائيات التي لا تتقن غير تفريخ دجل البصارين والعري الساخن والأغاني الهابطة تنافسها في "الحراج" عليها بعض الأقلام في الصحف طبلا وزمرا لها يفضح المستور، فيما أصيب هذا البعض وذاك بالعقم في طاقاته الذهنية واجتهاداته واستشهاداته ولجأ فقط إلى التهييج حين وجهت القيادة بدمج الرئاسة العامة لتعليم البنات بوزارة التربية والتعليم (مع أنه دمج رجال برجال!!) وحين وجهت إلى تمكين المرأة للعمل من خلال سياسة تأنيث المحال النسائية فقامت القيامة ولم تقعد؟!
أصحاب هذا الحماس لتلك الزيجات (التي بات لا ينقطع تحشيد الفتاوى لها من مشارق الأرض ومغاربها) يزعمون حماية كرامة المرأة وصيانة شرفها وشرفهم معها، ويسوقون المبررات نيابه عنها، بالقول: إن النساء أنفسهن "يتحرقن" لهذه الزيجات لأنهن يعانين تعطل مصالحهن، وهن أحوج إلى من يقضي شؤونهن سواء في السفر أو الذهاب إلى المستشفيات أو للجهات والمصالح الحكومية والبنوك وحتى الأسواق، ومن يتولى عنهن الإشراف على أولادهن وبناتهن ويذهب بهم إلى المدارس والأعمال. وأن "حضرة الرجل الهمام" هو وحده المنقذ من الظلال حيث، في الوقت ذاته، ينعم على نفسه (في مغالطة معكوسة) بالاستئثار بزيجات المسفار والمصياف والفرند التي هي بمثابة مصيدة غرائزية لمتعته الخاصة بحجة صونه لعرضه ولا أهمية لأحاسيس المرأة أو كرامة وجودها.
إنه لأمر مثير للفزع والأسف معا أن تتمحور قضايا علاقاتنا الاجتماعية وتدور حول المرأة كوعاء للشهوة فقط تحت ستار تلك الزيجات المهينة والمذلة وأن تختصر بها وتحذف عندها كل الهموم والإشكالات الواقعية التي تعانيها المرأة وتجابهها بلا أدنى مراعاة لمشاعرها ومشاعر الأولاد وقدسية العلاقات الأسرية.
وإلا فأي أسرة هذه التي سوف تبنى في ظل السرية والكتمان أو الشروط الوقتية أو الزواج "المبيت" بنية الطلاق؟ ألا يعني ذلك في مجمله صفقة انتهازية مع المتعة الذكورية فقط، وأن ذلك أبعد ما يكون عن سمو المقصد من الزواج الذي أشارت إليه الآية الكريمة: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).
فأي مودة ورحمة في زائر ليل أو طارق نهار؟ وأي سكينة سيجلبها زوج طارئ عابر، ترجف منه فرائص المرأة كلما فكرت في أنه سوف يسمعها ذات حين وبدم بارد: (خلاص انتهى العقد)؟!
قد لا تكون هذه الزيجات مستشرية بعد، لكن أطايب الأحاديث حولها تعني أن خللا أخلاقيا يجتاح النفوس وأن عطبا يعبث بالعقول وأن تلوثا مسلكيا أخذ يتفشى في مناخنا الاجتماعي .. فأي ثقافة وتربية هذه التي سوف ينمو في ظلها أطفالنا وهم يسمعون بأن أهلهم يتربصون ببعض وأنهم يتواطأون ضد بعض وأنهم قناصو متعة فحسب؟ أي ابنة أو ابن سيكون سويا، وهو يسمع شيوخا يفتون وسادة محترمون ممن يعتبرون في عداد الصفوة يتغامزون وتتهلل وجوههم عند ذكرها، وبعضهم يتبارون بلهفة للسير في هذا الطريق؟ ألسنا في هذا نعطي دروسا بائسة في الاستخفاف بالأبوة وبالأمومة وبالأسرة جملة وتفصيلا؟
إن مزاعم نجدة المرأة من خلال تجييش الفتاوى والاتجار بمشاعرها إعلاميا لا يؤسس لبناء بيوت سعيدة أو علاقات سوية وإنما بيوت يطوف حولها الشك والخديعة والقلق، وبدلا من بيوت يغمرها الدفء والاطمئنان تصبح جراحاً مقفلة ينخرها الألم والصديد!