أحياؤنا السكنية .. تموت عامرة!
من اللقاءات المهمة التي ستشهدها العاصمة اللقاء الذي تنظمه الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض عن الحي السكني بعد بضعة أيام، والهيئة عودتنا على العمل الاحترافي المنظم المبني على دراسات وأبحاث، وللتدليل على أهمية لقاءات الهيئة نشير هنا إلى أن اللقاء الذي نظمته الهيئة عن الإسكان قبل ثلاث سنوات أول توصية خرج بها هي الدعوة لإنشاء جهاز حكومي مستقل للإسكان .. وكانت هذه التوصية بعد شهرين فقط من حل أو دمج وزارة الأشغال العامة والإسكان، والآن وافق مجلس الوزراء على إنشاء هذه الهيئة المستقلة.
لقد عودتنا اللقاءات العلمية التي تنظمها الهيئة على تقديم التصورات المستقبلية للتنمية في مدينة الرياض، وأغلب ما أشارت إليه الهيئة في لقاءاتها ودراساتها وورش عملها من تحديات وإشكالات للتنمية كانت واقعية، ويمكن الاستناد إليها في معرفة إشكالات التنمية في مدن المملكة جميعا، فالتحديات متشابهة، والمهم والملاحظ في لقاءات الهيئة أنها تحاول أن تبرز سلبيات التنمية في مدينة الرياض، وهذه الشفافية والمصارحة تهدف لاستفادة المسؤولين من هذه السلبيات حين يتصدون لقيادة مشاريع التنمية. وأهم مشروع تبنته الهيئة هو مشروع المخطط الاستراتيجي لمدينة الرياض.... هذا المشروع الكبير تم فيه متابعة مشاكل العاصمة ورصدها علميا، ونتمنى أن تستفيد من آليات إعداد هذا المشروع بقية المدن، والذين يتحدثون عن إشكالات النمو في العاصمة الآن، والبعض منهم ربما يعتقد أن لديه تصوراً جامعاً مانعاً عن مشاكلها. هؤلاء لو اطلعوا على الدراسات التي أجرتها الهيئة لتأكد لهم أنهم (عرفوا شيئا وغابت عنهم أشياءُ). فقد تحدثت دراسات الهيئة عن المشاكل الحالية والمستقبلية.
وهذا يجعلني أجزم مطمئنا أن اللقاء الذي يركز على الحي السكني سوف يكون نقطة تحول رئيسية في تفكيرنا الرسمي والاجتماعي عن أحيائنا، كما هو الحال مع قضية الإسكان، فلقاء الهيئة قبل ست سنوات الذي خصص لهذا الموضوع كان نقطة تحول رئيسية أبرزت لنا مدى خطورة التساهل في برامج الإسكان. وأذكر أن الرقم الذي خرج من اللقاء وهو ضرورة إنفاق (55) مليار ريال سنويا لإنشاء ما يقارب 30 ألف وحدة سكنية في العاصمة .. هذا الرقم حينئذ كان صدمة!
هو كذلك - أي صدمة - لأن إنفاق مثل هذا الرقم مطلوب في مدينة واحدة فقط للمحافظة على معدلات متوسطة مقبولة للإيجار لضمان استقرار الطبقة الوسطى، هذا الوضع يشكل تحديا خطيرا للتنمية وقد تترتب عليه إشكالات اجتماعية وسياسية. طبعا هذا الرقم تفاقم الآن مع استمرار التضخم في الأسعار، وهناك من يقدر الحاجة بضعف هذا الرقم تقريبا في مدينة الرياض فقط!
الآن الهيئة سوف تفتح ملف الحي السكني، والحديث في هذا الجانب ذو شجون، وربما يلمس بعض الجروح، وهذا التحول العاطفي في الطرح له مبرراته .. فنحن مع طفرة الإعمار الأولى بدأنا نفقد الارتباط العاطفي مع الحي السكني، فلم تعد الأحياء حاضنة النشاط الإنساني التقليدي الذي يشجع على الترابط والتواصل، والجيل الذي يذكر الحارة القديمة يذكر أشياء جميلة، فعندما يتحدث هؤلاء عن تلك الأيام يبحرون في الحنين والتوجد وكأنهم فقدوا جزءا من ذاتهم. الآن أحياؤنا أصبحت ممرات لكل عابر سبيل وورشة عمل دائمة للشركات تحفر ثم تدفن، والشوارع مقطعة الأحشاء، ومن يريد أن يمارس الرياضة الطارئة (المشي) عليه أن يترقب مفاجآت الطريق، حتى الرصيف وهو أبسط حقوق المشاة لم يعد موجوداً، وإن وجد فهو مرتجل التصميم والإنشاء .. وحتى النشاط التجاري انتقل إلى وسط الأحياء مما غير في طبيعتها وأثر في قيمتها، فبيوتنا تتراجع أسعارها منذ اليوم الأول للسكن.
طبعا مدينة الرياض، وعبر تبني مبدأ المدينة الإنسانية، بدأت الخطوة الأولى لترتيب أوضاع الحي السكني حيث تم إخراج النشاط التجاري من داخل الأحياء وهذه خطوة رئيسية لمعالجة مشاكل الأحياء .. وبقي الآن التفكير الجاد لإعادة (الروح الاجتماعية والإنسانية) للحي .. هذا المشروع هو (الحلم الصامت) لنا جميعا، فنحن مجتمع أكبر شرائحه (الأطفال والمراهقين) وتفاعلاتهم داخل الحي السكني قضية ترتبط بالأمن الوطني والأمن الفكري والنفسي، وتحقيق ذلك يتطلب الوقفة الصادقة مع النفس: كيف نمول مشاريع الحي السكني الراقي والبلديات تعتمد بشكل كبير على الموارد المعتمدة من ميزانية الدولة .. هذا هو التحدي أمام المدن الآن: كيف ندير مدننا بمفاهيم وآليات اقتصادية ومالية جديدة تماما؟ ولعل لقاء الهيئة يطلق الأرضية العلمية الموضوعية للنقاش الصريح حول مستقبل الأحياء السكنية .. إدارتها وتشغيلها. نريد لأحيائنا الاستمرار والتطور.. لا نريدها أن تموت وهي عامرة بالناس والأشياء، أي تظل بدون روح!