رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ثقافة مؤسسة الخطوط السعودية: "نحن هنا لأداء العمل.. وليس لخدمتكم!"

[email protected]

لا أعلم إلى متى سنظل نعاني هذه الفوضى العارمة التي تجتاح مطاراتنا في كل وقت وكل حين خاصة الكبيرة منها. فطوابير من البشر تمتد إلى ما لا نهاية وكأن الخطوط السعودية قد سرحت نصف موظفيها مع أنك تشاهدهم في كل مكان حتى على حزام سير العفش المتحرك وكأنهم قرروا عمل كل شيء عدا خدمة العملاء! ويبدو أن هؤلاء الموظفين قد فقدوا الحس المهني والحرص على رضا العملاء فلا يكادون ينظرون أو يسمعون لهم. ما هذا الذي يحدث! إنه أمر مخجل أن يكون الناقل الوطني بهذا المستوى من التعامل اللاإنساني واللامهني! لقد تحولت مطاراتنا إلى أشبه ما تكون بسوق شعبي كبير مزدحم دون تنظيم وترتيب ودون سلوكيات حضرية لا يحكمه أنظمة ولا قوانين صارمة. تجد عشرات الناس وقد التفوا حول موظف واحد فقط مع اصطفاف العديد من الموظفين من خلفه يتفرجون على هذه الجمهرة من الناس! يتنصلون حتى من الرد على استفسار أو مساعدة المسافرين، ويكون جوابهم "هذا ليس من اختصاصي". إذاً أين العمل بروح الفريق الواحد وأين المهمة الرئيسة التي يجب أن يلتزم بها كل موظف وهي رضا العملاء في كل موقع وفي أي مكان وزمان! هل يعقل أن يرفض الموظف المختص في أحد المطارات إصدار تذاكر رحلة داخلية لأحد المسافرين بحجة أنه لن يسافر خلال 48 ساعة! هذه طامة كبرى ورسالة موجهة للعملاء على عكس الشعار التي ترفعه في إعلاناتها الترويجية! وإذا لم يكن هناك ربط بين الأداء والهدف يكون هناك تصرفات شاذة غير رشيدة وغير منطقية. لقد غاب الهدف الأساس وهو رضا العملاء الذي ينعكس إيجابا على العوائد الاقتصادية التي تجنيها المؤسسة وهو مقياس نجاحها وقدرتها على المنافسة. ولذا لم يكن مستغربا أن ينهمك بعض الموظفين في أداء أعمال أو بذل جهد ولكن في الاتجاه الخطأ. لقد حان الوقت أن يكون هناك نظام مبني على رضا العملاء كركيزة أساسية لتقييم الأداء، وأن الموظف يختزل الخطوط السعودية في شخصه وتصرفاته بالنسبة للعملاء ولا شيء آخر! ولذا كان على كل موظف إدراك هذه الحقيقة في أنه يمثل الخطوط السعودية وأن كل تصرف إيجابي أو سلبي سيكون له التأثير الأكبر في سمعة الخطوط ومكانتها لدى العملاء. ومهما أنفق من أموال على الدعاية والإعلان للترويج دون ضمان جودة المنتج والخدمة لن تؤدي الغرض منها، بل قد تكون سلبية.
المشكلة ليست وليدة اليوم ولكنها أزلية منذ عرفنا المطارات والكل يعاني سوء الخدمات وعدم انتظامها. الغريب أن هذه المأساة وإن شئتم الأزمة تتكرر وظاهرة واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، ومع هذا تتصرف الخطوط السعودية وكأن شيئا لم يكن وتصر على اتباع النهج ذاته وعدم تغيير الأمور للأفضل ودون الالتفات إلى معاناة الركاب، لذا تفشت ظاهرة عمل أقل القليل وتنفيذ أدنى مستوى مطلوب للأداء. إنه قدر الركاب على الرحلات المحلية على وجه الخصوص أن يشقوا ويتعبوا من أجل الحصول على مقعد! هناك بلا شك مزاجية في أداء العمل فحديث بعض موظفي "السعودية" مع العملاء لا تنقصه السخرية والتهكم والتعالي والمنة وكأنه سيتكفل بتكاليف سفرهم على حسابه الخاص بل تكاد تشفق على أولئك النفر من المسافرين الذين راحوا يستعطفون ويستجدون الموظف أن يساعدهم ويحل مشكلتهم وهو صامت، وإن تكرم رد عليهم بكل صلافة وجلافة! هذا سلوك بطبيعة الحال مستهجن لا يتفق مع التعاليم الإسلامية ولا العادات والتقاليد العربية الأصيلة للمجتمع السعودي. إنها ثقافة الخطوط السعودية التي تدور حول مبدأ أساسه "اقبل الخدمة وإلا اتركها!" وهذا يفسر السلوكيات الغريبة المتعجرفة لبعض الموظفين، وكأن لسان حالهم يقول "نحن هنا لأداء العمل وليس لخدمتكم!". لقد تحول العمل إلى أداء روتيني يفتقد الحيوية والمبادرة والسعي الحثيث لخدمة الركاب والبحث عن حلول للحالات والأوضاع المختلفة. لقد تمادى بعض الموظفين في تصرفات تجعلهم لا يستحقون ارتداء شعار الخطوط السعودية فهم يسيئون لسمعتها. إن طبيعة عمل موظف الطيران تتطلب حب الناس وحب خدمتهم وعلى قدر كبير من سعة الصدر والمعرفة التامة بالإجراءات والقدرة على اتخاذ القرار ومعالجة الصعوبات وتذليل العوائق، إذ إنه يقابل جميع أنواع الناس ويواجه أوضاعا مختلفة تتطلب المرونة وقدرة على استيعاب وفهم حالة كل مسافر. إلا أن الثقافة السائدة في الخطوط السعودية تجعل بعض الموظفين يرى أن عمله إداري سلطوي يمنح أو يرفض وليس البحث عن حلول ترضي العملاء وخلق تصور ممتاز عن الخطوط السعودية. وهكذا يصر بعض الموظفين على عدم التخلي عن هذا الكبرياء الزائف فيستمر في الحماقة ذاتها في التهجم على العملاء الذين يفترض أن يخدمهم ويبحث عن رضاهم، إذ إن ذلك هو المقياس للأداء المتميز أو هكذا يفترض.
إنها مشكلة كبيرة فبعد هذه السنوات الطويلة من الخبرة والتجربة يكون مستوى التطوير والتغيير طفيفا لا يكاد يذكر! هذه ليست مبالغة فواقع الحال يشير إلى هذه الحقيقة التي يكابدها العملاء. إلا إنه يجب القول إنصافا إن إخفاقات الخطوط السعودية محصورة في صالات الركاب فقط وطريقة التعامل، بينما نجد أن الخدمات الأرضية على درجة عالية من المهنية والتنظيم والتفاني في العمل بدليل السجل الناصع للسلامة ولله الحمد والمنة. وهذا ما يلحظه المسافرون وهم في صالات الانتظار أثناء قيام موظفي الخدمات الأرضية في صيانة الطائرات. يشاهدهم الجميع وكأنهم خلية نحل يعملون لا يكلون ولا يملون ملتزمين بأساسيات السلامة من تحريك معداتهم إلى ملابسهم إلى أدوات عملهم. قد يثبت ذلك أن النواحي الفنية أسهل في التنظيم والضبط من نواحي التعامل الإنساني.
إن أي منظمة لا تتعلم من تجاربها ولا تعمل على تراكم المعرفة محكوم عليها بعدم التطور. وإذا كان جزء من ثقافة المنظمة أنه "ليس بالإمكان أكثر مما كان" وتتوقف عن التفكير والبحث عن الأفضل والاستفادة من تجاربها وخبراتها السابقة فستعاود الوقوع في الأخطاء نفسها. إن عدم التعلم يعني عدم بناء إمكانات وقدرات جوهرية تميز الخطوط السعودية عن غيرها في تقديم خدمات متميزة لعملائها. ومن دون التميز تفقد خطوط الطيران قدرتها التنافسية خاصة في ظل الانفتاح الاقتصادي وازدياد حدة المنافسة الداخلية والخارجية. لذا كان من السهل منافستها داخليا وحتى خارجيا على الرغم من العمر المديد لها وتوحدها في سوق الطيران الداخلي ردحا من الزمان. إن قيمة أي مؤسسة هي في الصورة الذهنية التي يحملها العملاء في مخيلاتهم عنها، هل هي إيجابية؟ أم سلبية؟ إن الاستمرار في تكرار الأخطاء نفسها المرة تلو الأخرى هو فضلا عن أنه رعونة في التفكير وعدم اهتمام بتطوير الخدمة وتحسين الأداء فهو غباء اقتصادي. إن ما على الخطوط السعودية استيعابه هو أن هناك ما يسمى بالتخطيط وإعداد للمستقبل وتوقع لما سيحدث بناء على تجارب سابقة. أخيرا، هل تستطيع الخطوط السعودية البدء في تحسين أدائها من خلال الالتزام بمعايير تضمن جودة الخدمة على سبيل المثال ألا يتعدى طول الصف أكثر من خمسة عملاء؟ وألا يستغرق الرد على اتصالات الحجز أكثر من دقيقة؟ أم ستستمر على الثقافة ذاتها؟!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي