رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الغش باسم السوق المالية

[email protected]

إذا كانت الرأسمالية، التي حملت على أكتافها فكرة السوق المالية وناضلت من أجلها وبقائها حتى بالحروب، تدك حصونها اليوم بظاهرة الغش المدمرة التي تشبه دودة النخيل، تنخر في جسد الشركات حتى يسقط الاقتصاد معها برمته. وإذا كانت المجتمعات الاقتصادية اليوم عرضة لهذا الداء أكثر من أي وقت مضى رغم التطورات الحديثة في أساليب الرقابة والقوانين الصارمة بهذا الشأن، فإن العقوبة الشديدة التي أوقعها القاضي الأمريكي على الرئيس التنفيذي لشركة إنرون ليقضي بقية حياته في السجن تجد لها مبررا وتعد إشارة واضحة الدلالة على مدى خطورة هذا الموضوع وضرورة التعامل معه بصرامة.
فالأسواق المالية تعني تلك البيئة الصحية التي يلتقي فيها رجال الأعمال الممولين, يحدوهم جميعا الأمل في تعظيم الثروة وتنمية المدخرات عن طريق القيام بالأنشطة الاقتصادية التي يحتاج إليها المجتمع وتتطلب رساميل كبيرة لا يستطيع رجال الأعمال وحدهم تحمل مخاطرها، كما أن أي خلل أو تدهور يصيب هذه الأسواق عادة ما يقابله المجتمع الاقتصادي الدولي بخوف وحذر شديدين، من أجل ذلك تصاغ الأنظمة وتستنفر الجهود وتضرب الدول بيد من حديد على من يؤثر في أداء هذه الأسواق بالغش أو التدليس, وهذا بوش الابن يمضي بعيدا في حروب لا طائل من ورائها باسم حماية الاقتصاد والسوق المالية قائلا "إننا كنا نعتقد أن أزمة اقتصادية في بلد ربما تؤثر في "وول ستريت" فإذا بأزمة سياسية في بلد ما قد تنسف "وول ستريت" بالكامل".
وإذا كنت أعتبر نفسي من أشد المؤيدين لهيئة السوق المالية السعودية ولضرورة وجودها وممارستها مهامها، لكن يبدو أن الرياح ما زالت تهب عكس اتجاه الهيئة، فهذه "كيان" تواجه صعوبات التمويل لولا أن تدخلت في مسار الاكتتاب رساميل وتسهيلات يبدو أن الهدف منها إنقاذ من يجب إنقاذه، ومع "كيان" تٌعبر السوق وبكل وضوح عن عدم الرغبة في المجازفة والمشاركة، وهي الظاهرة التي لم تحدث أبدا من قبل حتى عندما كانت تدار بواسطة المكاتب العقارية, فهل من خطأ؟ وهل من وقفة تصحيح جادة؟
لقد أشرت في مقال سابق إلى أن التلاعب في السوق المالية سيطول الاقتصاد حتما, والاقتصاد ليس لعبة ولن يستطيع أحد أن يتنبأ بما ستؤول إليه الأمور مهما بلغت ثروته أو غروره.
إن أخطر ما تواجهه السوق المالية اليوم هو آفة الغش والتدليس وتزوير الحقائق. مخالفات صريحة للنظام تسكت عنها الوزارات المعنية حتى إذا وقعت الفأس في رأس الأصلع قالوا لم يتقدم لنا أحد بالشكوى. مساهمات زُفت إلى عقول الناس عبر صفحات الصحف بعد أن زينت بأسماء أشهر المكاتب القانونية والمحاسبية، ومواقع ومشاريع ورافعات وهمية حتى إذا انقشعت الغمامة وذهب كل إلى حال سبيله بقي المساهم كاليتيم، والمدهش أن هذه المكاتب التي زينت صفحات الإعلان سواء القانونية منها أو المحاسبية تعمل وبشكل روتيني وعادي وتستعد لحملة مساهمة جديدة. وفوق كل هذا تجد المتلاعبين بأموال الناس في قصر مرصود والقضية تدرس واللجان ستجتمع. فكيف سأقنع رجلا ضعيف الحال خرج من وظيفته بمبلغ لا يكاد يذكر وراتب تقاعدي على حد الكفاف أن يساهم في سوق مالية كهذه أو يكتتب في مساهمات أيا كان نوعها؟ الحقيقة أنني لن أفعل طالما أن هذه المكاتب والشركات التي شاركت ولو بتزيين الإعلان بأسمائها لم تتم إحالتها إلى تحقيق أو وجهت إليها تهم الإهمال الجسيم.
كيف سأقنع طلابي بأهمية الفكر المحاسبي ودوره في السوق المالية إذا كانت التجاوزات ترتكب باسم المحاسبة والسوق المالية فتجمع الأسهم التي عليها استحقاق القسط الثاني وقيمته 50 ريالا، أسهم أيتام أو أبناء شهداء أو أرامل لا يعرفون من السوق المالية إلا الألوان، ثم تباع في مزاد علني يعلن عنه ولا يعلن عن إنذار الاستحقاق في مخالفات لا تنتهي للنظام والأعراف الاقتصادية السليمة. وإذا كانت جميع الأنظمة والقوانين والأعراف المحاسبية تنص أنه لا يستحق للشركة إلا قيمة القسط وأتعاب المزاد، تجد الشركة تأكل الأخضر واليابس فلا يحصل أصحاب الأسهم لا على حقوقهم من المزاد ولا هي تركت لهم الخمسين ريالا، والأكثر دهشة أن ينجو مجلس الإدارة بفعلته بدفع غرامة من قيمة أسهم المساكين ويتلاعب بالباقي دونما محاسبة أو مساءلة بل ويقاضي مراجع الحسابات على دوره النزيه. كيف ستقنع من يقول بتحريم المساهمات في السوق و تحريم تشجيع الناس عليها وهذه حالنا؟
وقصص الغش والتدليس أكثر من أن تحصر, فالقانون لا يحمي المغفل الذي يؤمن بالنزاهة والشرف وسمعة رجال الأعمال. باسم السوق المالية أيضا يتم تهديد المساهمين بأهمية تنازلهم أو إعلان الإفلاس، وباسمها تدرج أسهم لا تستحق حتى القيمة الاسمية بقيمة بنك يدر المليارات، وباسمها تسرق الأموال بدعوى المضاربات أو صناديق استثمار لا تعرف سوى الخسائر وهي التي تقوم بدورات جني الأرباح، وإذا كشفت حال أحدهم تم إيقاع العقوبة بمبالغ باهظة فعلا، لكنها من أموال البسطاء والضعفاء وليست من أموال المخادعين وثرواتهم المشبوهة. ثم بعد كل هذا تسأل هيئة السوق وباستغراب غريب: لماذا يحجم الناس عن الصناديق العقارية؟
لن يستقيم حال السوق وتعود الثقة إلا بمكافحة صريحة وفعلية للغش والتدليس سواء كان نتيجة اختلاس الأصول أو بالتلاعب في البيانات والمعلومات المالية. يجب إنشاء وحدة ضمن هيئة السوق المالية هدفها مكافحة ظاهرة الغش والكشف عنها ونشر المعلومات التي تساعد الناس على فهمها وفهم تصرفات الإدارة التي تنوي القيام بالغش. إعداد نشرات دورية عن أساليب الغش التي يتم كشفها وعقد المؤتمرات والندوات والمحاضرات المتخصصة في هذا الشأن لتوعية الناس بأساليب الغش وكيفية الحماية منها. كما يجب اختيار مجموعة من المتدربين وابتعاثهم للحصول على تأهيل كاف في مكافحة الغش، وكذلك الارتباط بالجمعيات العالمية ذات الاهتمام المشترك ومنها الجمعية الأمريكية لفاحصي الغش المرخصين Association of Certified Fraud Examiners، ومن ذلك أيضا إنشاء مكتب لاستقبال الاتصالات التي تفصح عن قضايا الغش وبخاصة التي تقع في الشركات المساهمة وغيرها وتشجيع الموظفين في الشركات بأنواعها والمتداولين في السوق على الاتصال وأخذ كل ذلك على محمل الجد حتى يثبت العكس. يجب إعادة الثقة إلى المتداولين بقوانين تمنع الغش خاصة بالسوق.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي